أبي طالب المكي

65

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

مفطرة ، فقال : أما لك عمل غير ما رأيت ؟ قالت : ما هو والله إلَّا ما رأيت ، لا أعرف غيره . فلم يزل يقول : تذكري حتى قالت : خصيلة واحدة هي في ، إن كنت في شدة لم أتمنَّ أني في رخاء ، وإن كنت في مرض لم أتمنّ أني في صحة ، وإن كنت في الشمس لم أتمنّ أني في الظل قال : فوضع العابد يده على رأسه فقال : أهذه خصيلة ؟ هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العبد . وقد روينا عن ابن مسعود : من رضي بما ينزل من السماء إلى الأرض غفر له . وقال أبو الدرداء : ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر . وروي عن محمد بن حويطب عن النبي صلى الله عليه وسلم : من خير ما أعطي العبد الرضا بما قسم الله له . وفي الخبر المشهور : طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه كفافا ورضي به . وفي مثله أيضا من رضي من الله عزّ وجلّ بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل . وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا : من طرق أهل البيت إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه . فالرضا عن الله عزّ وجلّ والرحمة للخلق وسلامة القلب والنصيحة للمسلمين وسخاوة النفس مقام الأبدال من الصدّيقين . وقد روينا في أخبار موسى عليه السلام أنّ بني إسرائيل قالوا : سل ربّك أمرا إذا فعلناه يرضى به عنا ، قال موسى : إلهي قد سمعت ما يقولون ، فقال : يا موسى قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم . ويشهد لهذا الخبر المروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم : من أحبّ أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده ، فإن الله ينزل العبد منه بحيث أنزله من نفسه . وقد روينا حديثا حسنا كالمسند عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك : إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان ، يسرحون فيها ويتنعمون كيف شاؤوا قال : فتقول لهم الملائكة : هل رأيتم الحساب ؟ فيقولون : ما رأينا حسابا فيقولون : هل جزتم الصراط فيقولون : ما رأينا الصراط فيقال لهم : رأيتم جهنم ؟ فيقولون : ما رأينا شيئا فتقول الملائكة : من أمة من أنتم ؟ فيقولون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون : نشدناكم الله ، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون : خصلتان كانتا فينا فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته فيقولون : وما هما ؟ فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم الله لنا ، فتقول الملائكة : يحقّ لكم هذا . هكذا كان في كتاب شيخنا عن أنس . وقال فيه لطائفة من أمتي ففيه دليل على المسند . وقد جاء الأثر : من رضي من الله بالقليل من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل . وقال لبعض علمائنا : أعرف في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم من الجنان ، في قبورهم يغدى عليهم ويراح من الجنة بكرة وعشيّا ، وهم في غموم وكروب في البرزخ . لو قسمت على أهل البصرة لماتوا أجمعين . قيل : وما