أبي طالب المكي

63

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره . والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيّئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته . والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه . والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه . إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم لأنّ العبد موجود . فجرى عليه الأحكام في الدارين . وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين . والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد . وقيل لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟ فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر فيما كان والتمني لما يكون . فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود شكور . ذكر أحكام مقام الرضا الرضا عن الله سبحانه وتعالى من أعلى مقامات اليقين بالله . وقد قال تعالى : * ( هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلَّا الإِحْسانُ ) * [ الرحمن : 60 ] . فمن أحسن الرضا عن الله جازاه الله بالرضا عنه ، فقابل الرضا بالرضا . وهذا غاية الجزاء ونهاية العطاء . وهو قوله عزّ وجلّ : * ( رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ ) * [ التوبة : 100 ] . وقد رفع الله الرضا على جنات عدن ، وهي من أعلى الجنات ، كما فضل الذكر على الصلاة فقال تعالى : * ( ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ من الله أَكْبَرُ ) * [ التوبة : 72 ] . كما قال تعالى : * ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) * [ العنكبوت : 45 ] . والذكر عند الذاكرين المشاهدة ، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة وهو أحد الوجهين من الآية . والوجه الثاني ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لله . وقال أبو عبد الله الساجي : من خلق الله عباد يستحيون من الصبي يتلقفون مواقع أقداره بالرضا تلقّفا . وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء . فالراضون عن الله عزّ وجلّ هم الذاكرون لله بما يحب ويرضى . فالراضون الأكبر جزاء أهل الذكر الأكبر . وهذا أحد المعاني في قوله : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، أي الرضا عنه . لأن السائلين يسألونه لهم فأعطاهم العفو ، والذاكرون ذكروه فأعطاهم الرضا عنه عزّ وجلّ . ويكون أيضا معناه : أعطيته النظر إليّ لأن الذكر يدخل في المشاهدة ، فقابل النظر إليه اليوم بالنظر إليه غدا كما قابل الوصف بالوصف في قوله عزّ وجلّ : * ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ) * [ عبس : 38 - 39 ] . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : يتجلى لنا ربنا ضاحكا . والذكر قرب السمع ،