أبي طالب المكي
6
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ذلك من مولاه ، فيكون موافقا له ، والله تعالى يشهد يده في العطاء ، ويمدح المنفقين نهاية في كرمه ، ويشهد في المنع والمكروه مشيئته ، ويذمّ الباخلين والعاصين قدرة من حكمته وحكما من تقديره لإظهار الأحكام وتفصيل الحلال والحرام وعود الثواب والعقاب على الأنام . فقد أظهر الأمر واستأثر بسرّ القدر فعمل المؤمن بما أمر وسلم له ما استأثر . وروى بعض العلماء عن الله تعالى : لو أن ابن آدم لم يخف غيري ما أخفته من غيري ، ولو أن ابن آدم لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري ، وروى أعظم من هذا قال : وضع العبد في قبره مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عزّ وجلّ يفزعه في قبره إلى يوم القيامة . وقال الفضيل بن عياض : « من خاف الله خاف منه كل شيء » . ويقال : « إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق ، وإن ذلك من قلة الفقه عن الله تعالى » وقد قال الله أحسن القائلين في معناه : * ( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) * [ الحشر : 13 ] . فكان العبد إذا تمّ خوفه من الله تعالى ، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه ، وحوّل ذلك في قلوب المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو ، كما إذا كملت مشاهدة العبد وقام بشهادته وغيّبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عزّ وجلّ فلم يرها ، وقام له القيوم بنصيبه من الملك لما تفرّغ قلبه لمعاينة الملك . وقال سنيد عن يحيى بن أبي كثير : مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله . وقال سنيد : يعني أن يقول : لولا فلان هلكت ، ولولا كذا ما كان كذا . ويقال : إن قول العبد لولا كذا ما كان كذا من الشرك . وقال في الخبر : إياكم ولو فإنه يفتح عمل الشيطان . وقال بعض العلماء : سوف جند من جنود إبليس . وقد جاء في تفسير قوله تعالى : * ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) * [ العنكبوت : 65 ] قالوا : كان الملاح فارها ، ومثله في قوله تعالى : * ( وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ ) * [ يوسف : 106 ] . قيل قالوا : لولا نباح الكلاب وزقاء الديكة لأخذنا السرق . وروينا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : من اعتزّ بالعبيد أذلَّه الله . وقد جاء في الخبر : لو توكَّلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، ولزالت بدعائكم الجبال . وقد كان عيسى عليه السلام يقول : انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله يرزقها يوما بيوم ، فإن قلتم نحن أكبر بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض الله لها هذا الخلق . ويقال : « لا يدّخر من الدواب إلا ثلاثة : النملة والفأرة وابن آدم » ، وقال أبو يعقوب السوسي : المتوكَّلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله واختياره على يد خصوص عباده بلا شغل ولا