أبي طالب المكي

7

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

تعب ، وغيرهم مكدودون مشغولون . وقال أيضا : المتوكَّل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدّع لا يصحّ له التوكَّل . وأوّل التوكَّل ترك الاختيار والمتوكَّل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق ، لا يشكو ما به إليهم ، ولا يذمّ أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد ، فقد شغله عمّا سواه . وقيل لسهل : ما أدنى التوكَّل ؟ قال : ترك الأماني ، وأوسطه ترك الاختيار . قيل : فما أعلاه ؟ قال : لا يعرفه إلا من توسّط التوكَّل وترك الاختيار . أعطى فذكر كلاما طويلا . وقال بعض هذه الطائفة : العبيد كلَّهم يأكلون أرزاقهم من المولى ، ثم يفترقون في المشاهدات . فمنهم من يأكل رزقه بذلّ ، ومنهم من يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم من يأكل رزقه بعزّ لا مهنة ولا انتظار ولا ذلَّة . فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذلّ ، فالسؤال يشهدون أيد الخلق فيذلَّون لهم ، والذين يأكلون بامتهان ، فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنة وكره ، والذين يأكلون أرزاقهم بانتظار ، فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذّب بانتظاره ، والذين يأكلون أرزاقهم بعزّ من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل فالصوفية ، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة . فأمّا الذين يأكلون من أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة خاسرة وقعوا في الذلّ الواضح . وسئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور : « الخلق عيال الله فأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله » فقال : هذا مخصوص وعيال الله خاصته . قيل : كيف ؟ قال : لأن الناس أربعة أقسام : تجار وتجارة وصناع وزراعة . فمن لم يكن منهم فهو من عيال الله . فأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لهؤلاء . وهذا كما قال : لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الحقوق وفرض الزكاة في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا تجارة له ولا صنعة فجعل معاشهم على التجّار والصنّاع . ألا ترى أن الزكاة لا تجوز على تاجر ولا صانع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لقويّ مكتسب ، فأقام الاكتساب مقام الغنيّ . وقال الله تعالى : * ( وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ومن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) * [ الحجر : 20 ] فكان من تدبّر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ليس له فيها معيشة في الأرض . وقال عامر بن عبد الله : قرأت ثلاث آيات من كتاب الله عزّ وجلّ استعنت بهنّ على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى : * ( وإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) * [ يونس : 107 ] . فقلت : إن أراد أن يضرّني لم يقدر أحد أن ينفعني ، وإن أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني . وقوله : * ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) * [ البقرة : 152 ] فاشتغلت بذكره عن ذكر من سواه ، وقوله تعالى : * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * [ هود : 6 ] .