أبي طالب المكي
50
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
عبيده قنُّ . فقال : اذهبوا فتكسبوا ، وأطعموا أنفسكم فقد رزقتكم ذلك ووهبته لكم . وهذا هو الوجه الثاني الذي نزه الخصوص عنه تفضيلا لهم . فلم يستسعهم وقطعهم فشغلهم بخدمته عن خدمة نفوسهم وخليقته . وتوكل لهم بكفايتهم ولم يوكلهم فيها كما وكَّل غيرهم ، بل وكل بأرزاقهم من يشاء من عباده وهو معنى قوله تعالى : * ( ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ ) * [ الذاريات : 57 ] لنفوسهم بدليل قوله تعالى * ( إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ) * [ الذاريات : 58 ] ، أي لهم بإقامة غيرهم وبإظهاره في قوله : وما أريد أن يطعمون ، فكانت هذه الياء اسمه مكنّى بها وهذه إرادة مخصوصة لا عامة لكل مراد ، فهي إرادة ابتلاء ومحبة بمعنى ما أحبّ . ومخصوصة بمخصوصين من عباده . كما كان قوله تعالى : * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * [ الذاريات : 56 ] . كانت هذه الآية مخصوصة لمن عبده منهم معناها : مؤمني الجن والإنس لا عامة لجميع خلقه . والوجه الثالث أن يقول المولى منا لعبده : اخدمني وعليّ طعمتك ، تقوم خدمتك لي مقام كسبك لنفسك ، وهذا هو الوجه الأعلى الذي اختاره الله تعالى ، وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العالمين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : * ( إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ ) * [ الذاريات : 56 - 57 ] ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له . فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له . ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له . وفي الخبر أنّ الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إنّ الله تعالى لما أظهر الخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيّرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزّتي وجلالي لأخدمنّكم إياهم ولأسخرنّهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني . وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة . ومن ذلك قولهم : إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد . أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : * ( بَنِينَ وحَفَدَةً ) * [ النحل : 72 ] أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذلّ وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبّد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءاً بالأقدام . ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوّا من السير والحمل عليه . ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا