أبي طالب المكي
51
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلَّهم ونمتهنهم بالكدّ والعمل . وقال بعض العارفين : إنّ الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات . ثم اطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته . فاستعملهم للدنيا وعبّدهم لأهلها . ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ، أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها . وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله . ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج ، إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ولاتّباع السنّة والأثر قال الله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) * [ النساء : 71 ] ، وقال تعالى : * ( واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ ) * [ المائدة : 49 ] ، وقد يروي في خبر اعقلها وتوكل ولا ينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى خلقه ، ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه ، غير مختار لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده ، لأن الله تعالى إذا رفع عبدا إلى مقام التوكَّل عليه في شيء أعطاه التوكل في كلّ شيء ، كما لا يكون توّابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع إليه بالأشياء وفيها . فلذلك قال الله تعالى : * ( إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * [ آل عمران : 159 ] ، كما قال : * ( إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) * [ البقرة : 222 ] ، مع قوله : * ( وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * [ إبراهيم : 12 ] ، أي ليتوكل عليه في كل شيء ، من توكل عليه في شيء ، هذا أحسن وجوهه . والوجه الآخر وعليه فليتوكل في كل توكَّله من توكل عليه في الأشياء لأن الوكيل في شيء واحد ، فينبغي أن يكون التوكَّل عليه واحدا في كل شيء ، فالتوكل مقام رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصدّيقين والشهداء ، من تحقّق به فقد تحقّق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد ، وانتفى عنه دقائق الشرك وخفايا تولي العدو فانقطع سلطانه عنه . قال الله سبحانه وتعالى : * ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) * [ النحل : 99 - 100 ] يعني العدو والذين هم به مشركون يعني الله سبحانه . فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجرّدا حتى يقيمه في مقام التوكَّل في اليقين . فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأنّ