أبي طالب المكي

395

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أي من الحلم والعلم وقيل ذو حظ عظيم عند الله عزّ وجلّ من النصيب والجزاء وقد قال لقمان الحكيم قولا متوسطا : يا بني لا تكن حلوا فتبلع ، ولا مرّا فتلفظ ، المعنى : لا تمكن الناس من نفسك ولا تتابعهم في كل شيء فلا يبقوا عليك وينبسطوا إليك ، ولا تنافرهم وتخالفهم في كل شيء فيجانبوك ويرفضوك فيقعوا فيك . وقال بعض السلف : لا تصحب إلَّا مريدا ، وكل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته . وقال بعض علماء العرب : الصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن من جنسه شانته . وقال بعض الحكماء : « كل إنسان مع شكله كما أنّ كل طير مع جنسه » . وقد كان مالك بن دينار يقول مثل هذا ، وقد لا يتفق اثنان في عشرة ودوام صحبة ، إلَّا وفي أحدهما وصف من الآخر وإنّ أشكال الناس كأجناس الطير . قال ورأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك وقال : كيف اتفقا وليسا من شكل قال : ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال : من هاهنا اتفقا ويقال : إذا اصطحب اثنان برهة من الزمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بدّ أن يفترقا . وقد أنشدنا بعض العرب لبعض الحكماء في معناه : وقائل لما تفرقتما * فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته * والناس أشكال وآلاف وقد روينا في حديث أنّ الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، تلتقي فتشام في الهواء . قيل معناه في المذهب والخلق . وفي هذا الخبر زيادة ولو أنّ مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق وفيه مؤمن واحد ، لجاء حتى يجلس إليه . ولو أنّ منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن وفيه منافق واحد ، لجاء حتى يجلس إليه . وقد ذكر لهذا الحديث سبب على ما ذكرناه ، وهو أنّ امرأة عطَّارة كانت بالمدينة من أحد فقدمت امرأة من مكة عطَّارة وكانت مزاحة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على من نزلت قيل : على فلانة فقال : الأرواح جنود مجندة . وبعض العلماء يقول : إنّ الله خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا ، وقدر بعضها قدرا ، ثم أطافها حول عرشه ، فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا هاهنا في الدنيا وترافقا ، وأي روحين من قدرتين أو فلقة وقدرة اختلفا ثم وتناكرا هناك فاختلفا في الجولان ، فإن هذين إذا ظهرا اليوم تباينا وتنافرا ، فهذا تأويل الخبر عنده ، فما تعارف منها أي في الطواف فتقابلا تعارفا هاهنا وترافقا ائتلفا ، وما تناكرا ثم في الجولان فتدابرا تناكرا هاهنا اليوم في الخلق والحال لما ظهرا فاختلفا ، وليس الائتلاف يقع بنفس الاجتماع ووقت الاتفاق ، فإنما الائتلاف يكون بمجانسة الحال ومشاكلة الأخلاق ، لأنهم شبهوا أجناس الناس بأجناس الطير ، وقد يتفق الطيران من جنسين ويتجامعان في