أبي طالب المكي

396

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

مكان ، فلا يكون ذلك ائتلافا في الحقيقة ولا اتفاقا في الخليقة لتباينهما في التشاكل ، ولا يتبين ذلك في الاجتماع وإنما يتبين في الطيران إذا طارا معا ، فأما إذا ارتفع أحدهما ووقع الآخر وعلا أحدهما وقصر الآخر ، فلا بدّ من افتراق حينئذ لفقد التشاكل ، ولا بدّ من مباينة لعدم التجانس عند الطيران ، فهذا مثال ما ذكرناه من الافتراق لعدم حقيقة تشاكل الحال والوصف بعد الاتفاق . واعلم أنّ الائتلاف والاختلاف يقع بين اثنين إذا اشتركا وافترقا في أربعة معان ، إذا استويا في العقود ، واشتركا في الحال ، وتقاربا في العلم واتفقا في الأخلاق ، فإن اجتمعا في هذه الأربع فهي : التشاكل والتجانس ومعه يكون الائتلاف والاتفاق ، وإن اختلفا في جميعها فهو التباعد والتضاد وعنده يكون التباين والافتراق ، وإن اتفقا في بعضها واختلفا في البعض كان بعض الاتفاق وبعض الاختلاف فيوجد من الائتلاف بمقدار ما وجد من التعارف ، ويوجد من الاختلاف نحو ما فقد من الاتفاق ، وهذا هو تناكر الأرواح لتباعد نشأتها وتشامها في الهواء ، وذلك الأول هو تعارف الأرواح بقرب التشام باجتماع الأوصاف . حدثت عن يعقوب ابن أخي معروف رحمهما الله قال : جاء الأسود بن سالم إلى عمي معروف ، وكان مؤاخيا له فقال : إنّ بشر بن الحارث رحمه الله يحب مؤاخاتك ، وهو يستحي أن يشافهك بذلك ، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوّة يحتسبها ويعتد بها ، إلَّا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك ، ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة ، فإنه يكره كثرة الالتقاء ، فقال معروف رحمه الله : أما أنا ، فلو أحببت واحدا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا نهارا ، ولزرته في كل وقت ولآثرته على نفسي في كل حال . ثم ذكر من فضل الأخوة والحب في الله عزّ وجلّ أحاديث كثيرة ، ثم قال فيها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عليّ عليه السلام ، فشاركه في العلم وقاسمه في البدن وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه ، وخصه بذلك لمؤاخاته : وإني أشهدك أني قد عقدت له أخوّة بيني وبينه وأعتقده أخا في الله عزّ وجلّ لرسالته ولمسألتك ، على أن لا يزروني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت ، وآمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها ، وآمره أن لا يخفي علي شيئا من شأنه ، وأن يطلعني على جميع أحواله . قال : فأنصرف بذلك أسود بن سالم فأخبر به بشرا ، فرضي بذلك وسرّ به ، فهذا أسود بن سالم أحد عقلاء الناس وفضلائهم ، فكان فيه اتساع للأصحاب وصبر عليهم ، وهو الذي أشار معروف به على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال : يا أبا محفوظ ، هذان الرجلان إماما هذا البلد ، فأشر علي أيهما أصحب ، فإني أريد أن أتأدب به أحمد بن حنبل أو بشر بن الحارث رضي الله عنهما قال له معروف :