أبي طالب المكي

390

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

ويقول : لو كان حاضرا لاتّسعت وأكلت رغدا للورع الذي فيه ، والنصح والإيثار لأخيه فرحم الله عزّ وجلّ تضايقهم وشكر تورعهم ، فأطلق لهم الإذن ووسع عليهم في الأكل فقال عزّ وجلّ : * ( ولا عَلى أَنْفُسِكُمْ ) * [ النور : 61 ] . أي لا إثم ولا ضيق أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ، ثم نسق الأقارب على ترتيب الأحكام ، وضمّ إليهم الأخ لما وصفه بتمليكه مفاتحه أخاه ، فأقام ذلك مقام ملك أخيه ، لأنه أقام أخاه مقامه فقال تعالى : * ( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) * [ النور : 61 ] . ثم أخر الصديق بعده إذ لم يكن بحقيقة وصفه ، ثم قال عزّ وجلّ : * ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً ) * [ النور : 61 ] . بحضرة الإخوان أو أشتاتا في حال تفرقهم ، فسوى بين غيبتهم وشهودهم لتسوية إخوانهم بينهم وبين أملاكهم ، واستواء قلوبهم مع ألسنتهم في البذل والمحبة ، لتناول المبذول وهذا تحقيق وصفه عزّ وجلّ لهم في قوله تعالى : * ( وأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) * [ الشورى : 38 ] . وقال بعض الأدباء : إذا ائتلف الإخوان جماعة ، ثم اجتمع بعضهم على لذّة وفقد البعض نقص من اللذة بمقدار من نقص منهم ، وهذا يكون بوجود الأنس بهم ومواصلة الذكر ، وروينا أنّ مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبا ، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت السرير فجعل يأكل ، فدخل الحسن فقال : هكذا كنا لا يحتشم بعضنا من بعض واعلم أنه ليس بين الأخوين والصاحبين رياء في أعمالهما ، وإن تراءى برأي العين أعمالهم لهم ثواب السرّ والخلوة ، لأنهما كالأهل في الحضر وكالصحابة في السفر ، وليس بين الرجل وأهل بيته ولا بين المسافر ورفقائه رياء ولا سمعة ، ولا عليه منهم اختفاء ولا خلوة ، فإن صحبه أخوه هذا في سفر كانت حرمته عليه ألزم وحقه أوجب ، فينبغي أن لا يخالفه ولا يعترض عليه إن أحب النزول في منزل لم يكره أخوه ذلك ، وإن اختار أحدهما الرحيل لم يحب الآخر المقام ، وإن سار أحدهما لم يقف صاحبه ، وإن استراح الآخر وقف له رفيقه ، وإن اشترى شيئا لم ينهه عنه ، ولا يستأثر بمطعوم ولا مشروب بل يؤثره بذينك . وفي الخبر : ما اصطحب اثنان قط إلَّا كان أحبهما إلى الله عزّ وجلّ أرفقهما بصاحبه . وروينا أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل غيضة مع بعض أصحابه ، فاجتنى منها سواكين من أراك ، أحدهما معوج والآخر مستقيم ، فحبس المعوج لنفسه ودفع المستقيم إلى صاحبه فقال : يا رسول الله أنت كنت أحق بالمستقيم فقال : ما من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار ، إلَّا سأله الله عن صحبته هل أقام فيه حق الله تعالى أو أضاعه ، ومن كان ناظرا في أخوة أخيه أو في صحبته إلى كثرة أعماله ، أو واقفا مع أكمل أحواله ، دل على جهله بهذا الطريق الذي ينفذ إلى التحقيق لأنها تحول ، وإنّما المعول على حقائق