أبي طالب المكي

391

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

القلوب وسلامة العقول لأن إليها الأمر مردود ، فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الآخر دل عليه التزين له والتصنع عنده لتعلو منزلته ويحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك ويخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد ، فتزل قدم بعد ثبوتها ويسقط من عين مولاه ، فلا يتولاه لأن النفس مبتلاة بحب الثناء والمدح وإثبات المنزلة بإظهار الوصف ، فيكون هذا الصاحب حينئذ من أشأم الناس عليه وأضرّهم له ، ويصير أحدهما بلاء على صاحبه ، فليفارقه حينئذ لأنّه جاهل ولا يصحبه ، فإنه يجد النقصان وتدخل عليه الآفات بمقارنته ، فلينفرد بنفسه فيصدق في حاله عالية كانت أو دنيئة ، وضيعة كانت أم رفيعة ، من غير مقارنة أحد ولا مباينة فهو خير له وأحمد عاقبة ، وهذا باب لطيف قد هلك فيه خلق كثير على ضربين منهم ، من صاحب وآخى وبايت على هذه العلل فساكنها ، ومن هذه الآفات فقارنها الضعف يقينه وقوة هواه ، وكبر الناس في عينه وعظم قدر الدنيا مما يناله منهم في قلبه ، فهلك بالتزين والتصنع وأهلك أخاه بنحو ذلك ، والضرب الثاني من المتعبدين المعروفين بالستر والصلاح ، خافوا ولم يحبوا أن يظهروا على حالهم كراهة الذم وخيفة النقص لهم ، فلم يحبوا أن يختبروا بالمباينة ولا ينكشفوا في المصاحبة ، ولا تعرف أحوالهم بطول الممارسة ، وأحبوا مع ذلك أن يشار إليهم من بعيد ويتوهم فيهم العبادة من غير طول ملاقاة ، فأظهروا التفرد والعزلة ، وتركوا المباينة والصحبة ، وأنكروا هذا وعابوه ، يريدون أن يبينوا بذلك عن نظرائهم وينفردوا به عن جملة الخلق بدعوى الحال ، ليختصوا بغيرها عندهم من غير حال ، ولا انقطاع إلى الله سبحانه ، ولا اشتغال ، ولقلة معرفة العامة بأحوال الصادقين ، فهلك أيضا بالمباينة وغربة الحال وترك السنة من إجابة الدعوى ، ومخالطة الأمة كبرا وتطاولا على العامة ، وتمويها منهم على من لا يعرف سيرة الأمة ، وأوهم بذلك أنه مشغول عنه بسلوك الطريق ، لعلمه أنهم لا يعرفون محجة التحقيق ، ولعلَّه مشغول بهم وأنهم ووساوس قلبه ، وهو في ذلك منكشف للصادقين ظاهر جلي للعارفين ، وقد جاء في مخالطة المسلمين ، وفي الأكل مع الإخوان والاختلاط بالعامة ، والمشي في الأسواق واشتراء الحوائج ، وحملها للتواضع ما يكثر رسمه ويطول وصفه وكذلك كان سيرة الصحابة وشيمة التابعين بإحسان منهم ، عمر رضي الله عنه ، كان يحمل القربة على ظهره لأهله ، وعليّ رضي الله عنه كان يحمل التمر والملح في ثوبه ويده ويقول : لا ينقص الكامل من كماله * ما جرّ من نفع إلى عياله ومنهم أبي وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة ، كانوا يحملون حزم الحطب وجرب الدقيق على أكتافهم وظهورهم ، وسيد المرسلين وإمام المتّقين ، ورسول رب العالمين