أبي طالب المكي
379
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الثواب في الأهل والقرابات . وروي عن عليّ عليه السلام : لعشرون درهما أعطيها أخي في الله عزّ وجلّ أحبّ إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين ، وقال أيضا : لأن أصنع من طعام وأجمع عليه إخواني في الله عزّ وجلّ أحبّ إلى من أن أعتق رقبة . وأوصى بعض الحكماء ابنه فقال : يا بني ادخل بين الأعداء ولا تدخلن بين الأصدقاء . قال : وكيف ذلك قال : الدخول بين الأعداء يكسب الصداقة والدخول بين الأصدقاء يورث العداوة ، ولا ينبغي للأخ أن يخون أخاه في غيبه بما يكره إن كان ذلك في شيء مباح إذا كرهه ، ولا ينكر عليه ما لا يقوم في علمه إذا فعله إن كان أخوه أعلم منه ، أو كان له وجه يخرج عليه ، ولا ينبغي أن يكذبه في أمره ولا يفشين له سرّا ، ولا يعرضنه لغيبة ولا نميمة ، ولا يحوجه إلى مداراة ، ولا يلجأ إلى اعتذار ، ولا يتكلفن له ما يشق عليه أو ما لا يحبه هو منه . وقال العباس لابنه عبد الله : إني أرى هذا الرجل ، يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقدمك على الأشياخ ويقربك دونهم فاحفظ عني ثلاثا : لا تفشين له سرّا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يجربن عليك كذبة . وفي بعض الروايات : ولا تعصين له أمرا ، ولا يطلعن منك على خيانة . قال : فقلت للشعبي وقد رواه : كل كلمة خير من ألف قال : كل كلمة خير من عشرة آلاف ، وأفشى بعضهم إلى أخيه سرّا ثم قال له : حفظت قال : بل نسيت وقيل لبعض الأدباء كيف حفظك السرّ قال : أنا قبره وقيل لآخر كيف تحفظ السرّ فقال : أجحد المخبر وأحلف للمستخبر ، ومن أحسن ما سمعت في حفظ السر ما حدثني بعض أشياخنا عن إخوان له ، دخلوا على عبد الله بن المعتز فاستنشدوه شيئا من شعره في حفظ السرّ ، فأنشدهم على البديهة : ومستودعي سرّا تبوأت كتمه * فأودعته صدري فصار له قبرا قال فخرجنا من عنده ، فاستقبلنا محمد بن داود الأصبهاني فسألنا من أين جئنا فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز في السرّ ، فاستوقفنا ثم أطرق مليّا ثم قال اسمعوا قولي : وما السرّ في صدري كثاو بقبره * لأني أرى المقبور ينتظر النشرا ولكنني أنساه حتى كأنني * بما كان منه لم أحط ساعة خبرا ولو جاز كتم السرّ بيني وبينه * عن السرّ والأحشاء لم يعلم السرّا وقال عليّ عليه السلام : شر الأصدقاء من أحوجك إلى مداراة ، وألجأك إلى اعتذار ، وقال أيضا : شرّ الأصدقاء من تكلف له ، وقال الفضيل : إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ما لا يفعله كل واحد منهما في منزله ، فيحشمه ذلك من الرجوع