أبي طالب المكي
380
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
إليه . وروينا عن عائشة رضي الله عنها : المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه ولا يحشمه ، وروينا في الانبساط إلى الإخوان شيئا استظرفته ولولا أنه جاء عن إمام ما ذكرته ، حدثنا الحرث بن محمد عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : أهدي لهشام فرو كثير الثمن فقال : اذهب بها إلى سعيد الجوهري فقل له : هذه فرو جاء به هشيم اشترها له قال : فذهب بها إليه فاشتراها ، ثم بعت بها إلى هشيم فصارت له ودراهمها . وقال عليّ بن المديني : قال أحمد بن حنبل : إني أحبّ أن أصحبك إلى مكة وما يمنعني من ذلك إلَّا أني أخاف أن أملك أو تملني ، لأنه يقال إنّ ملل الإخوان ليس من أخلاق الكرام وقال مكحول : قلت للحسن إني أريد الخروج إلى مكة فقال : لا تصحبن رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك وبينه . وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : يستحسن الصبر عن كل شيء إلَّا عن الصديق ، وقال : أستحب للمتواخين في الله عزّ وجلّ أن يلتقيا في كل يوم مرتين وقال أنس بن مالك : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون ، فإذا استقبلهم صخرة أو أكمة فرقت بينهم فالتقوا من ورائها ، سلم بعضهم على بعض . وقال الحسن وأبو قلابة : ليس من المروءة أن يريح الرجل على صديقه . وقال ابن سيرين لا تكرم أخاك بما يشق عليه . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره . وخرج ابن المبارك في سفر ، فصحبه قوم فقال لهم : إن أنكر أحد منكم شيئا فليخبرني ، فلما أرادوا أن يتفرقوا قال لهم : هل أنكرتم مني شيئا فقال شاب منهم : أنا قال : وما أنكرت قال : لم أرك تستاك فقال : ويحك وهل يستاك الرجل بين يدي صديقه . وكان بشر بن الحارث يقول : لا تخالط من الناس إلَّا حسن الخلق فإنه لا يأتي إلَّا بخير ، ولا تخالط سيّئ الخلق فإنه لا يأتي إلَّا بشر . وقال الشافعي رحمه الله : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضى فلم يرضى فهو شيطان ، وقال عمرو بن دينار : زهدك في راغب فيك نقص حظ ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس . وكان ابن سيرين يقول : يحتمل الرجل لأخيه إلى سبعين زلة ويطلب له المعاذير ، فإن أغناه ذلك وإلَّا قال : لعل لأخي عذرا غاب عني . وقال الثوري : إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه ثم دسّ عليه من يسأله عنك ، فإن قال خيرا فأصحبه وقال غيره : لا تؤاخين أحدا حتى تبلوه وتفشي إليه سرّا ، ثم إِجفه واستغضبه وانظر ، فإن أفشاه عليك فاجتنبه . وقيل لأبي يزيد : من أصحب من الناس قال : من يعلم منك ما يعلم الله عزّ وجلّ ، ويستر عليك ما يستر الله تعالى ، وكان ذو النون يقول : لا خير لك في صحبة من لا يحب أن يراك إلَّا معصوما . وقيل لبعض العلماء : من يصحب من الناس قال : من يرفع عنك ثقل التكلف ، وتسقط بينك