أبي طالب المكي

359

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

المؤذن من الأذان أن يقول : وأنا من المسلمين الحمد لله رب العالمين ، وتلا قوله وعمل صالحا ، وقال : إنني من المسلمين ، وقوله مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ، فاستحب أن يصلَّي المؤذن بين الأذان والإقامة أربعا ، وأن يجهد في الدعاء . قال : وكان السلف يكرهون أربعا ويتدافعونها عنهم : الإمامة والفتيا والوصية والوديعة . وقال بعضهم : ما شيء أحب إليّ من الصلاة في جماعة ، وأكون مأموما فأكفى سهوها ويتحمل غيري ثقلها ، ولكن إذا أقمت الصلاة فليتقدم من أمر بالتقدم ولا يتدافعونها ، فقد جاء في العلم أنّ قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم ، ولكن لا يقيم المؤذن حتى يحضر الإمام ، ولا ينتظروا الإمام قياما فإنه مكروه . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوموا حتى تروني . وكان بشر بن الحارث يقول : من أراد سلامة الدنيا وعزّ الآخرة فليجتنب أربعا : لا يحدث ولا يشهد ولا يؤم ولا يفتي ، وفي بعضها ولا يجيب دعوة ، وقال مرة : ولا يقبل هدية وهذا من تشديده ، والذي اختار من التأذين والإقامة مذهب أهل الحجاز بتثنية الأذان ، بالترجيع وإفراد الإقامة ، وأن يزيد في أذان الفجر الصلاة خير من النوم مرتين ، وأن يؤذن لها قبل دخول الوقت ، خاصة ليتأهب لها المصلَّون وإنما هي الصلاة الوسطى إلَّا أن يتفقوا على صحة الحديث شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، فليدع الاختيار للآثار ، وإن يمدّ المؤذن صوته ويرفعه جهده ويترسل أذانه ، وقيل كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلَّا في موضعين : في الأذان وعند التلبية . وفي الخبر : يتمهل المؤذن بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الأكل من طعامه ، والمعتصر من اعتصاره ، فهذا توقيت من مقدار المصلَّين بين الأذانين ، فمن كانت به حاجة إلى هذين فليقدم ذلك قبل دخوله في الصلاة لئلا يشغله شيء عن صلاته . ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مدافعة الأخبثين في الصلاة ، وأمر بتبدئة العشاء في قوله : إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء ، ذلك ليكون القلب فارغا لربه خاليا من نوائبه ، فذلك من إقامة الصلاة وتمامها . وأكره الإمامة لمن كثر سهوه في الصلاة ، أو دام اشتغال قلبه عن فهم المناجاة ، أو لمن علم أنّ وراءه من هو أقرأ منه أو أفقه في الدين والعلم وإن كان هو عابدا صالحا ، أو لفقيه بالعلم إذا كان وراءه أتقى منه وأصلح وأروع بعد أن يكون مؤدّيا لفرض التلاوة ، ولا يؤم الأمي القراء ولا الأعجمي الفصحاء ولا المتيممون المتوضئين ، وإن اتّفق أميّون قدم أقرؤهم وإن حضر أئمة قرّاء فليتقدم بالعلم ، وإن اتّفق رجلان أحدهما قد جمع كل القرآن إلَّا أنّ الآخر أحسن تجويدا وتثقيفا لما يقرأ منه ، وليس يحفظ جميعه فليقدم أقومهم قراءة إذا كان عالما بالصلاة . وفي الخبر : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عزّ وجلّ ، فإن