أبي طالب المكي

360

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

كانوا في القراءة سواء فأفقههم في الدين ، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنّا ، فلذلك الأمر الرجل أحق بالإمامة إذا كان في منزله إلَّا أن يأذن ، واستحب للإمام إذا سلم أن يسرع الانفتال بوجهه إلى الناس ، وأكره للمأموم القيام قبل انفتال إمامه . فقد روينا في ذلك سنّة حسنة عن طلحة والزبير ، أنهما صلَّيا في البصرة خلف إمام ، فلما سلَّما قالا للإمام : ما أحسن صلاتك وأتمّها ، كما كنا نصلَّي الأشياء ، واحدا أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك ، ثم قالوا للناس : ما أحسن ما صلَّيتم إلَّا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم ، ومن كرهه جيرانه أو كرهه من وراءه من المأمومين فلا يحل له أن يتقدم ، فإن اختلفوا فكرهه قوم وأحبه آخرون . نظر إلى أهل الدين والعلم منهم فحكم بقولهم ولا يعتبر الأكثر إذا كان الأقلون هو الأخير ، ولا يصلَّي خلف مبتدع ، فمن صلَّى خلف مبتدع ولا يعلم فليعد ، ومن سمع الأذان من مسجد وهو في طريق يمشي فليدخل فليصلّ ، ولا يؤخر إلى مسجد آخر إلَّا لأحد معنيين : أن يكون على يقين من لحوق إمام آخر أفضل من هذا ، أو يكون يعرف هذا ببدعة أو فسوق ، وإلَّا فالصلاة مع أوّل من قام بها من المسلمين أفضل . وفي الخبر : لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد ، وفي جار المسجد قولان : أحدهما من سمع الأذان وروي هذا عن عليّ عليه السلام ، والثاني من كان بينه وبين المسجد ثلاث دور وهو الرابع ، والتشديد في ترك الجماعة على من سمع التأذين ، ومن كان في جنبه مسجدان فأولاهما بالصلاة فيه أقربهما منه ، وهذا مذهب الحسن إلَّا أن يكون له نية في كثرة الخطا إلى الأبعد ، أو يكون إمام الأبعد هو الأفضل . وقيل : أقدمهما . وروي هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة ، أنهم كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى العتق ، ومن كان مأموما فلا يقرأ سورة مع الحمد فيما يجهر به الإمام أصلا ولا يقرأ الحمد أيضا إلَّا في سكتات الإمام وإن قطعها ، فإن لم يكن للإمام سكتات قرأ الحمد فقط فيما يجهر به الإمام ، وكان ما عليه من وزر قراءته في قراءة الإمام على إمامه ، لأنه قد نقص صلاته وترك ما عليه . فالله عزّ وجلّ حسيبه ، فإذا أسر الإمام فليقرأ الحمد وسورة إذا أمكنه ولا بدّ من قراءة الحمد وحدها . واستحب للإمام أن يتحول إذا صلَّى المكتوبة فلا يصلَّي في موضعه نافلة . ففي الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم وثب ، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا سلم وثب ، وكان عمر رضي الله عنه إذا سلم وثب ، وفي الخبر المشهور أنه لم يكن يقعد إلَّا قدر قوله : اللَّهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم ينصرف . وإن تحول المأموم فصلَّى النافلة في غير مكان الفريضة ولو بقدم فحسن ، ففي ذلك أثر ، فإن جلسا قليلا للتسبيح والدعاء فلا بأس ، وهذا آخر كتاب الإمامة .