أبي طالب المكي
348
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
في قضائه ، ولا شكر على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء ، لأنه في يد الوكيل يقلبه كيف يشاء . والتوكَّل عند المتوكَّلين هو في الصبر للصبور وتسليم الحكم للحاكم . ومنه قوله تعالى : * ( الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * [ العنكبوت : 59 ] وقوله : * ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) * [ يوسف : 67 ] . وقال رجل لبشر بن الحارث : إني أريد سفرا ولكني منعني أنه ليس عندي شيء ، فقال : لا يمنعك العدم من سفرك واخرج لقصدك ، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ما لك . وكان إبراهيم الخواص يقول : كفّ فارغ وقلب طيب ومرّ حيث شئت ، ومن طرقته فاقة أو رهقته حاجة لم يخرجه من التوكَّل أن يسأل إذا عدم القوة والصبر ، لأنه حينئذ يسأل لربه لا لنفسه ، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه وحفظ عقله الذي هو مكان تكليفه . وفي الأثر : من جاع فلم يسأل فمات دخل النار ، لأنّ ترك السؤال عند خوف رهق الموت ، ومع عدم الصبر سبب التلف ، إن كان الجوع أحد الحتوف القاتلة . وقد تأوّل بعض متأخّري الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم : أحلّ ما أكل العبد من كسب يده قال : المسألة عند الفاقة وأنا بريء من عهدة هذا التأويل . وقد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية وكان هو يستحسنه ، ولكن قد كان أبو سعيد الخراز يمدّ يده عند الفاقة ويقول : ثم شيء لله . وحدثونا عن أبي جعفر الحداد ، وكان شيخا للجنيد ، له علم في التوكَّل وحال من الزهد ، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو بابين ، فيكون ذلك معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين ، ولم يعب هذا عليه أحد من الخصوص . وقد رأى بعض الناس رجلا من الصوفية دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله ، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك وقال : دفع إليك شيء أخرجته كله ، فلو تركت منه لعشائك شيئا ؟ فقال : ما ظننت أني أعيش إلى السماء ، ولو علمت ذلك فعلت ، وكان هذا زاهد قصير الأمل إلَّا أنّ السؤال للمتوكَّل عند الخواص يخرجه من التوكَّل . وقد كان سهل يقول : المتوكَّل لا يسأل ولا يردّ ولا يحتكر ، وليس يخرجه عندي من التوكَّل المسألة عند الفاقة ، بل عدم الصبر والقوة ، ففقد ذينك وجود الإذن من الله له في السؤال إذا كان ناظرا إلى تصريف والوكيل في كل حال ، ولأنّ الوليّ الحميد يقلب وليّه في جميع الأحوال . ألم تر إلى إمامي أهل الظاهر والكتاب وأهل الباطن والقلوب ، استطعما أهلها ، لأن المسلم يستحقّ على إخوانه سدّ جوعته لحرمة الإسلام . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليلة الضيف واجبة . وقال عليه الصلاة والسلام : الضيافة حقّ . وفي الخبر : ولك أن تأخذ من ماله مقدار