أبي طالب المكي
349
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ليلة ، وفي الحديث : أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من المسلمين جائعا فقد برئت منهم الذمة . وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن ، فقال : كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا في الضيافة . قال : فيخرجون إليّ طعاما فآكل شبعي وأترك ما بقي . والمسافر هو ابن السبيل الذي أوجب الله حقه في الأموال ، لأن السبيل هو الطريق ، وراكبها ابنها ، لأنه صاحب طريق وسالكه . وليس عليه أيضا في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام شيء ، لأنه مقيم على ما أبيح له . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الضيافة ثلاثة ، فما زاد فهو صدقة ، فلا يقيمنّ فوق ثلاث . فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ولا يقم فوق ثلاث فيحوجه أن يضيق عليه . وتأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة ، أي مروه لا مندوب إليه ، ولا مأمور به ، فإن اختار الصدقة ولم ينزّه نفسه عنها فهو أعلم ، أي وما كان في الثلاث فهو حقّ له وواجب على مضيفه ، فإن سألوه الإقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك . وقد تأول بعض الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم : فما زاد فوق ثلاث فهو صدقة ، إنه صدقة على أصحاب المنزل من الضيف ، تصدّق عليهم لإقامته ، لأنه مثوبة لهم ، ولا يعجبني هذا التأويل ، وليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة وجميل أداء ، وليحفظ قلبه أن يتشتت ، فإن السفر قد يشتّت همّ المريد ، ويجمع همّ العارفين ، ويشغل قلوب الضعفاء ، ويروح قلوب الأقوياء ، وهو محنة وكشف لأخلاق العبد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي زكَّى عنده رجلا لما سأله عنه ليقبل شهادته فقال له : هل صحبته في السفر الذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا . قال : ما أراك تعرفه . وعن بعض السلف : إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكَّوا في صلاحه إذ ذاك ، لأنّ السفر يسيء الأخلاق ، ويكثر الضجر ، ويخرج مكامن النفس من الشحّ والشره . وكل من صلحت صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر ، وليس كل من صحب في الحضر صلح أن يصحب في السفر . وقال بعض السلف : ثلاثة لا يلامون على الضجر ، الصائم ، والمريض والمسافر ، ولا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة ، الركوة ، والحبل ، والإبرة بخيوطها والمقراض ، وكان الخواص من المتوكلين ، ولم تكن هذه الأربعة تفارقه . وكان يقول : ليست من الدنيا . وبعض الصوفية كان يقول : إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دلّ ذلك على نقصان دينه ، وكان جماعة من أرباب القلوب وأهل المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو سكنت إلى موضع عملوا في الغربة لرفع العادة وإيثارا للقلة والذلة . وقالوا : لا يخلو المؤمن من قلَّة أو علَّة أو ذلَّة ، وكانوا إذا خافوا الاستشراف إلى