أبي طالب المكي
329
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
عزّ وجلّ بوصفه فقال تعالى : * ( ولا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) * [ التوبة : 92 ] - الآية - فلما شاركوه في العدم وكان حال الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأفضل والأتمّ دلّ على فضل حالهم على غيرهم . وقد قال الله عزّ وجلّ : * ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهُمْ أَغْنِياءُ ) * [ التوبة : 93 ] . وقال تعالى : * ( كَلَّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) * [ العلق : 6 - 7 ] . فوصف الأغنياء بالطغو وأوقع عليهم الحجة . وقال في وصف الفقراء : * ( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ ) * [ البقرة : 273 ] . فلو لا أنّ الغني مفضول ما نسب من وصفهم به إلى النقص ، والغنى باب الدنيا وأصل التفاخر والتكاثر المذموم ، والفقر باب الآخرة وأصل الزهد والتواضع المحمود . وعند أهل المعرفة : إنّ الغنى من الصفات التي لا ينبغي أن ينازع فيها ومكروهة لمن ابتلي بمعانيها ، وأنه مثل العزّ والكبر وحبّ المدح والذكر . فمن أحبّ شيئا من ذلك وطلبه فقد نازع الله تعالى لبسته ، وتركوا ذلك لأجل الله عزّ وجلّ لأنه من صفات الربوبية ، وسلَّموه له خوفا منه أو حبّا له ، وإن الفقر من صفات العبودية مثل الرجاء والخوف والتواضع والذلّ ، فمن طلب ذلك وأحبّه فقد تحقّق بوصف العبودية . والله سبحانه وتعالى يحبّ أن يتحقق العبد بأوصافه لأنه عبد ذليل ، ويكره أن ينازعه معنى صفاته لأنه ملك جليل ، ومن أحبّ الغنى دلّ على حبه البقاء . وكان سهل يقول : حبّ الغنى شرك في الربوبية ، أي لأنّ البقاء من صفات الباقي ، ومن فضل الغنى على الفقر دلّ على حبه للغني فظهر بذلك محبة الأغنياء لأنّ حبّ الوصف دليل حبّ الموصوف ، وحبّ الشيء أيضا دليل على بغض ضده ، فإذا أبغض الفقراء أبغض الفقر ، وبغض الفقر لحبّ الغنى ، فقد اختار الرغبة على الزهد ، والكثرة على القلة ، والعزّ في الدنيا على الذلّ . وفي هذا إيثار الدنيا على الآخرة ، وهدم الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين في تفضيل الفقر وتشريف الأغنياء . ويقال : كان الفقر شرف المؤمن وكان الفقراء فيما سلف في المؤمنين بمنزلة الأشراف فيكم اليوم ولا خفاء بفساد هذا القول ونقصه عند العلماء بالله تعالى ، ثم إنّ الفقراء على منازل ثلاث ، فقراء الأغنياء وهم السؤال عند الفاقات ، الكافون نفوسهم مع الكفاية ، القانعون بالكفاف ، وهم طهرة الأغنياء ، ومزيدهم من الله تعالى ، وهم الذين جعل الله لهم في أموال الأغنياء سهما ، لأنّ منهم السائل والمحروم ، ومنهم القانع والمعتر . والطبقة الثانية فقراء الفقراء وهم المتحققون بالفقر ، المختارون له ، المؤثرون إياه على الغنى ، لعظم معرفتهم بعظيم فضيلة أهل التعفّف والصيانة ، لا يبتذلون للسؤال ولا يعرضون في المقال ، راضون بالميسور من مولاهم ، تعرفهم إذا رأيتهم سيماهم : يحسبهم الجاهل أغنياء لترك المسألة والشكوى ،