أبي طالب المكي
330
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ومنهم المحروم حرم السعي للدنيا ، ومنهم المحارف انحرفت عنه الأسباب ، ومنهم القانع قنع بما يصل إليه من غير امتهان وتبذل فيه ، ومنهم المعتر رضي عن الله عزّ وجلّ بما يعتريه . وقيل : إنه ما أعطى أحد شيئا من الدنيا إلَّا قيل له خذه على ثلاثة لثلاث ، شغل ، وهمّ ، وطول حساب . وأما الطبقة الثالثة فهم أغنياء الفقراء وهم الأجواد الأسخياء أهل البذل والعطاء ، يأخذون ويخرجون ، ولا يستكثرون ولا يدّخرون ، إن منعوا شكروا المانع لأنه هو المعطي فصار منعه وإن ضيّق عليهم حمدوا الواسع لأنه هو المحمود فصار ضيقه رخاء ، وإن أعطوا بذلوا وآثروا فهم الزاهدون في الدنيا لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى . وقال إبراهيم بن أدهم لشقيق بن إبراهيم حين قدم عليه من خراسان : كيف تركت الفقراء من أصحابك ؟ فقال : تركتهم إن أعطوا شكروا ، وإن أعطوا آثروا فقبّل رأسه وقال : صدقت يا أستاذ وقد كان بشر يقول : الفقراء ثلاثة ، فقير لا يسأل وإن أعطى لم يأخذ ، فهذا مع الروحانيين في عليين ، وفقير لا يسأل وإن أعطى أخذ فهو مع المقربين في حظيرة القدس ، وفقير يسأل عند فاقته ، فهذا مع الصادقين ، وصدقه في حاله كفّارة مسألته . ودفع إلى إبراهيم بن أدهم ستون ألفا وكان عليه دين وبه حاجات إليها فردّها فعوتب في ذلك فقال : كرهت أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء لستين ألفا . وقد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف وإنّ درعها لمرقوع فقالت لها الخادمة : لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه فقالت : لو ذكرتني لفعلت . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاها فقال : إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء ، وإياك ومجالسة الأغنياء ، ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه فأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للفقراء : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلعل متوهما لم يتدبر أول الكلام فظن أنّ هذا تفضيل للأغنياء على الفقراء وإنما هو تحقيق لقوله الأول : قولوا كذا وكذا ، فإنه لا يسبقكم أحد قبلكم ، ولا يدرككم أحد بعدكم ، فقالوه . فلما سمع الأغنياء بذلك فقالوا كقولهم هجس في قلوب الفقراء منه شيء ، فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتثبتوا في قوله فقال : الأمر كما قلت لكم لا يسبقكم أحد قبلكم إذ قد صحّ منه هذا القول في الأول وهو معصوم فيه ، فلو لم يكن كذلك لنقض آخر قوله أوله ، ولا يجوز ذلك . وأيضا فإن حمل على ظاهره كما تأوله ، فإنه فضل الله تعالى في الدنيا ، لا تفضيل لهم به في الآخرة على مقامات الفقراء ، إلَّا أنّ الأولى قد قامت بفضلهم ، ويصلح بمعناهم فضل أعطاهم الله تعالى بهذا القول الذي قلتموه . زادهم الله به ، لا أنه أفضل من مقامكم وحالكم بغيره ، إذ قد ثبت فضلكم عليهم بوصف الفقر وحال الصبر بغير هذا الذكر ، وهذا التسبيح رجحان لكم تماما على فضلكم بغيره ، وهذا القول للأغنياء تفضيل من الله