أبي طالب المكي

313

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

رجل الأحنف بن قيس في سفر إلى طعامه فقال له الأحنف : لعلك من العارضين . قال : وما العارضون ؟ قال : الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فسكت الرجل فلم يجبه الأحنف إلى الطعام . وكان الثوري يمشي مع رجل فمرّ بباب منزله فعرض عليه الدخول ليأكل عنده فقال له الثوري : أصدقني عن شيء أسألك : أيما أحبّ إليك أدخل أو أنصرف ؟ فسكت . فانصرف الثوري . ومن علم من أخيه أنه يحبّ أن يأكل من طعامه فلا بأس أن يأكل بغير إذن لأن علمه بحقيقة حاله ينوب عن إذنه له في الأكل . وقد كان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن . وكان الحسن ربما دخل فيجدهم كذلك فيسرّ ويقول هكذا كنا . وروي عنه أنه كان يأكل من متاع بقال يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه فستقة فقال له هاشم الأوقص : يا أبا سعيد تأكل من متاع الرجل بغير إذنه ؟ فقال : يا لكع أما قرأت آية الأكل ؟ ثم تلا عليه : * ( ولا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا من بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ) * [ النور : 61 ] ، إلى قوله تعالى : * ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) * [ النور : 61 ] ، ثم قال الحسن الصديق : من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب فإذا كان كذلك فلا يأذن له في ماله . وجاء قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة فجعلوا يأكلون ما فيها فدخل الثوري فجعل يقول : ذكرتموني أخلاق السلف ، هكذا كانوا . وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم ، فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدّمه إلى أصحابه وقال : كلوا . فجاء رب المنزل فلم ير الطعام . فسأل عنه فقيل له : قد جاء فلان فأخذه . فقال : قد أحسن . فلما لقيه قال : يا أخي إن عادوا فعد . وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحما تصدق به على بريرة من غير أن يستأذنها ، ولم تكن حاضرة ، لعلمه أنها تسرّ بذلك . وقال : إنّ الصدقة قد بلغت محلها هو عليها صدقة ولنا هدية . وقال صلى الله عليه وسلم : رسول الرجل إلى الرجل إذنه أي قد علم بإذنه له في الدخول عليه فأغناه عن الاستئذان . ففي تدبر فعله عليه السلام أنّ من علمت كراهته لأكلك من طعامه أن لا تأكل وإن أذن لك بقوله . فتدبر عمل بعض السلف صنيعا ، فدعا رجلا فلم يصادفه الرسول ، ثم أعلم وقد انصرف الناس من عنده فقصد منزله ، فدقّ عليه الباب ، فخرج إليه الرجل فقال : هل من حاجة ؟ قال : إنك دعوتني فلم يتفق ذلك فقد جئت الآن لما علمت ، فقال : قد انصرف الناس . قال : فهل بقي منه بقية ؟ قال لا . قال : فكسرة ، إن بقيت . قال : فلم يبق شيء . قال : فالقدور أمسحها . قال : قد غسلناه فانصرف بحمد الله تعالى فقيل له في مسألته عن ذلك فقال : وقد أحسن الرجل دعانا بنية فنفس ، هذا في