أبي طالب المكي
314
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الضعة والذلة وسقوطها من مراتب الأنفة والعزة تشبه نفس ابن الكديني ، وهو أستاذ أبي القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه فردّه الأب أربع مرات في دعوة واحدة وهو يرجع في كل مرة وهو يرده ، فهذه نفوس مطمئنة بالتوحيد ، مشاهدة بالبلوى من المولى المبلى للعبيد ، مذللة بالذلة ، موضوعة على الضعة ، وهذا طريق مفرد لأفراد وحال مجرد لآحاد ، والمتكبرون لا يجيبون الدعوات ، وهم عند بعضهم من أنفة النفوس . قال قائلهم : أنا لا أجيب دعوة . قيل : ولم ؟ قال : انتظار المرقة ذلّ . وقال آخر : إذا وضعت يدي في قصعة غيري ذلَّت له رقبتي ، ومنهم من لم يكن يجيب الفقير لكبر في نفسه ويجيب الأغنياء لعظمهم في عينه . ومن أبناء الدنيا الموصوفين بها من لا يجيب إلَّا نظراءه وأشكاله من مثله طبقته ومرتبته في الرياضة في الدنيا ، وهذا على خلاف سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعاله أنه كان يجيب دعوة المسكين ويجيب دعوة العبد . ومن قوله : بئس الطعام وشرّ الطعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء . ثم قال : من لا يجيب الدعوة فقد عصى الله تعالى . ومرّ الحسين بن عليّ رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق ، وقد نثروا كسرا على الأرض في الرمل وهم يأكلون ، وكان على بغلته ، فلما مرّ بهم سلَّم عليهم فردوا عليه وقالوا : هلمّ إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : نعم إن الله لا يحبّ المستكبرين ثم ثنى وركه فنزل عن دابته وقعد معهم على الأرض وأقبل يأكل ثم سلم عليهم وركب . وفي خبر آخر - زيادة - فقال : قد أجبتكم فأجيبوني . قالوا : نعم فوعدهم المجيء في وقت من النهار فجاؤوا فرحب بهم ورفع مجلسهم ، ثم قال : يا واذات هاتي ما كنت تدّخرين . فأخرجت الجارية فاخر ما عندها من الطعام فأقبل يأكل معهم . وكان ابن المبارك يقدم إلى إخوانه فاخر الرطب ويقول : من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما فكان يعد النوى فيعطي من كان له فضل نوى بعددها دراهم . وقال بعض أهل الاعتبار : ما أجبت إلَّا لأتذكر بها نعيم الجنة ، طعام ينقل بغير كلفة ولا مئونة . ولذلك قيل : إنّ اجتماع الإخوان في وجود الكفاية على الأنس والألفة ليس هو من الدنيا . وقد كان بعض الصوفية يقول : لا تجب دعوة إلَّا من يرى لك أنك أكلت رزقك وأنه سلمه إليك وديعة كانت لك عنده ، ويرى لك الفضل عليه في قبولها منه ، فهذه شهادة العارف من الداعين ، كذلك شهادة المدعوين من الموحدين ، أن يشهدوا الداعي الأول ، والمجيب الآخر ، والمعطي الباطن ، والرازق الظاهر ، كما امتحن أصحابه بذلك بعض الصوفيين : بلغني أنّ رجلا دعا إماما من الصوفية في أصحابه إلى طعام ، فلما أخذ القوم مجلسهم ينتظرون فضل الطعام إليهم ، خرج إليهم شيخهم فقال : إنّ هذا الرجل زعم أنه