أبي طالب المكي
307
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ويقولون إنّ الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق . وفي الخبر : أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون على قراءة القرءان ولا ذكر ولا يفطرون إلَّا عن ذواق ولا ينبغي للمدعو أن يقترح على الداعي شيئا بعينه فيقول : أريد كذا ، فليس ذلك من القناعة ، فإن خيّره أخوه بين طعامين فليختر أقربهما منه وأيسرهما عليه كذلك السنة . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما خيّر بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما . وحدثونا عن الأعمش عن أبي وائل قال : مضيت مع صاحب لي إلى سلمان نزره فقدم إلينا خبز شعير وملحا جريشا . فقال صاحبي : لو كان في هذا الملح سعتر لكان أطيب . فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا ، فما أكلنا قال صاحبي : الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا ، فقال سلمان : لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة ، فإن كان أخوه ممن يأنس به وعلم أنّ اقتراحه عليه مما يحبّه فلا بأس بذلك ، قد فعله الشافعي مع الزعفراني رحمها الله تعالى ، كن نازلا عليه ببغداد فكانا يخرجان يوم الجمعة إلى الصلاة ، فكان الزعفراني يكتب في رقعة للجارية ما تصلح من الألوان ، فدعا الشافعي ذات يوم الجارية فنظر فيها ثم زاد لونا اشتهاه . فلما جاء الزعفراني وقدّمت الجارية ذلك اللون أنكره ، إذ لم يأمرها به فسألها عنه فأخبرته أنّ الشافعي زاد ذلك في الرقعة . فقال : أريني الرقعة . فلما نظر إلى خط الشافعي في الرقعة بذلك اللون فرح بذلك وأعجبه . فقال : أنت حرة لوجه الله تعالى فأعتقها سرورا منه بفعل الشافعي ذلك ، وإليه نسب درب الزعفراني بباب الشعير في الجانب الغربي من بغداد ، فإن شهاه أخوه وسأله فلا بأس أن يذكر له شهوة ليصنعها فيعينه على فضيلتها . فقد روينا في فضل ذلك غير حديث ، منها الحديث المشهور : من صادف من أخيه شهوة غفر له ، ومن سرّ أخاه المؤمن فقد سرّ الله عزّ وجلّ . وروينا عن ابن الزبير عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف درجة ، وأطعمه الله تعالى من ثلاث جنات ، جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة الخلد ، والخلال بعد الأكل حسن فلا يبين عنه ، ولا بأس بغسل اليد في الطست وليس من الأدب التنخم فيه . وروينا أنّ أنس بن مالك اجتمع هو وثابت البناني على طعام فقدّم الطست إلى ثابت ليغسل يده فامتنع . فقال أنس : إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردّه فإنه إنما يكرم الله عزّ وجلّ . وروى أنّ هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصبّ الرجل على يده في الطست ، فلما فرغ قال له : يا أبا معاوية تدري من صب على يدك ؟ قال : لا . قال أمير المؤمنين قال : يا أمير المؤمنين ، إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلَّك الله عزّ وجلّ وأكرمك ، كما أجلت