أبي طالب المكي
306
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
علماء لم يكرهوا ذلك منه ، وقد فعله كثير من الصحابة ، ولا يتكلف لإخوانه من المأكول ما يثقل عليه ثمنه أو يأخذه بدين أو يكتسبه بمشقة أو من شبهة ولا يدّخر عنهم ما بحضرته ولا يستأثر بشيء دونهم ولا يضرّ بعياله . وروينا أنّ رجلا دعا عليّا رضي الله عنه إلى منزله فقال : أجيبك على شرائط ثلاث ، لا تدخل من السوق شيئا ، ولا تدّخر ما في البيت ، ولا تجحف بعيالك . وقد كان من سيرة السلف إذا دعا أحدهم أخاه قدم جميع ما بحضرته أو أخرج من كل شيء عنده شيئا . وكان بعض الرؤساء من الأجود إذا دعا الناس إلى طعامه يدعو الخباز فيقول : أعلم الناس بما عندك من الألوان . قال : ثم يدعهم يأكلون حتى إذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومدّ يده إلى الطعام فأكل . وقال : ساعدوني بارك الله عليكم . فكان السلف يستحسنون ذلك منه وليس من السنّة أن يقصد الرجل قوما يتحيّن حضور طعامهم ليصادفه ، فإن ذلك من المفاجأة . فقد نهى عنه قال الله سبحانه وتعالى : * ( لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ) * [ الأحزاب : 53 ] يعني منتظرين حينه ونضجه . وفي الخبر : من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما ، ولكن إن صادفهم يأكلون فسألوه أن يأكل معهم ، وعلم أنهم يحبون أكله معهم فلا بأس ، وليس ذلك داخلا في المفاجأة . فإن لم يعلم أنهم يحبون أن يأكل معهم وإنما قالوه تعزيزا وحياء كرهت له الأكل معهم ، وإن كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتحيّن وقت أكله فلا بأس بذلك . قد قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبا أيوب الأنصاريين لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعا ، ومن السنّة أن يخرج الرجل مع ضيفه إذا انصرف إلى باب الدار ، وليس من السنّة أن يخرج الضيف من النزل عن غير إذن صاحبه ولا أن يقيم للضيافة فوق ثلاثة أيام حتى يخرجه أو يتبرّم به يتأثر في ذلك . وقال بعضهم : إذا قصدت للزيارة فقدّم ما حضر ، وإذا استزرت فلا تبق ولا تذر . وفي الخبر : دخلنا على جابر بن عبد الله فقدم إلينا خبزا وخلاة وقال : لولا أنّا نهينا عن التكلَّف لتكلفت لكم . وفي حديث يونس عليه السلام أنه زاره إخوانه فقدّم إليهم كسرا من شعير ، وخبز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال : كلوا لولا أنّ الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم . وروينا عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة : كانوا يقدمون إلى إخوانهم ما حضر من الكسر اليابسة والحشف من التمر والدقل ويقولون : لا ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما يقدّم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدّمه . وقد روينا في معناه خبرا مسندا وقد كان أنس وغيره يقدمون ما عندهم إلى إخوانهم