أبي طالب المكي

29

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

النبوّة ، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال : لا تشغلوني عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ، ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان . فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأوّل ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان . وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم أنّ أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته . ولا يسع العلماء في الدين إلَّا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص . فالمتوكل المتسبب موقن أنّ الله سبحانه هو المعطي والمانع ، وأنه هو المسبب الرازق ، وأنّه هو الأوّل في التصريف والآخر في التقليب ، فمقلته ناظرة إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه ، والذي ينقص المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات للاستكثار ، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ما قدر ، أو ترك النصح لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب ، فهذا كله لا يصح معه التوكل . وقد قال بعض العلماء : إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ينصح للمسلمين في المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها ، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلَّا من كدّه ، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له ، عدة لكذا وعدة لكذا . فهذه المعاني تخرج من التوكل ، فقد تخفى دقائقها وتدق حقائقها إلَّا على جهابذة العلماء الرابحين في العلم ، المتضلعين باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ، فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو