أبي طالب المكي
30
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله . وروينا عن بشر بن الحرث قال : إنّ العبد ليقرأ ، إياك نعبد وإياك نستعين ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ما إياي تعبد ولا بي تستعين ، لو كنت تعبد إياي لم تؤثر هواك على رضاي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى حولك ولا قوتك ولا إلى مالك ونفسك ، وإنّ التارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان في أدنى كفاية وأعين بالصبر والقناعة ، في مثل زماننا هذا أفضل وأتم حالا من المتكسب إذا خاف أن لا ينال المعيشة إلَّا بمعصية الله من دخوله في شبهة عيانا أو خيانة لإخوانه المسلمين ، ولأنه قد تعذر القيام بشرائط العلم مع مباشرة الأسباب وكثرة دخول الآفات والفساد في الاكتساب ، فترك ملابسة أهل الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة لبعده من رؤية الأشياء ، وفقده مباشرتها ، لأن الحكم متعلق بالرؤية . ومثل « الحرام مثل المنكر إذا لم تره سقط عنك حكمه » . وليس الخبر كالمعاينة ولا المجاورة كالمباشرة ولا المعاين كالمخبر ، وذلك كخبر من زلّ عن حقيقة الكعبة على العبد إلا أنّه متوجه إلى الشطر ، فصلاته جائزة ولو زلّ عنه أنملة مع المعاينة لها بطلت صلاته . والتكسب ليس بفرض وقد يفترض بأحد معنيين بوجود العيال وعدم كفايتهم من وجه من الوجوه المباحة ، أو بأن يقطع عدمه عن فرض ويضعف عنه مع فقد ما يقام به الفرض مما لا بدّ منه . وقد كان بشر بن الحرث ترك التكسب ، وكان يتكلم في الحلال ويشدد فيه فقيل له : يا أبا نصر ، فأنت من أين تأكل ؟ فقال : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي مثل من يأكل وهو يضحك . وقال مرة : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة . وقد كان للثوري خمسون دينارا يتجر له بها ، ثم أخذها في آخر أمره ففرقها على إخوانه وترك التكسب . ويقال إنّه فعل ذلك لمّا مات عياله . وليس للعبد أن يحمل حال عياله على حاله إلَّا أن يكون اختيارهم كاختياره ، وصبرهم على فقرهم ومعرفتهم بفضله كمعرفته ، فجائز حينئذ أن يسير بهم سيريه ، ويسقط عنه التكسب لأجلهم ، لأنهم كهو في الحال مع سقوط المطالبة منهم بحقوقهم عليه . وقد فعل ذلك جماعة من السلف ، وبعض العارفين يفضلون من لا معلوم له على من له معلوم ، وهم لا يرون ترك التكسب أفضل لأنه معلوم ، ويعد هؤلاء سكون القلب مع وجود المعلوم علة . ولكن إذا سكن قلبه مع غير معلوم ، واجتمع همه وانقطع طمعه في حال المعدوم ، فهذا هو المقام وتفصيل هذا في التوسط من المقال عندي والله أعلم أنّ العبد لا يفضل بنفس عدم المعلوم ، كما لا يفضل بنفس القعود عن المكاسب ، وإنما يفضل بحاله من مقامه ، فإذا كان ذو المعلوم أحسن معرفة وأقوى يقينا ، فضل على من لا معلوم له ، ولا يكون سكون القلب وطمأنينة النفس أيضا مع وجود المعلوم علة في الحال