أبي طالب المكي
28
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
قيراط ، أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل ، وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرة أبي جعفر يقول : أستحي من الله أن أتكلم في مقامه وهو حاضر . وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم للعطاء ترك المسألة والاستشراف تنزيها للفقراء وردا لهم إلى الله تعالى ، لأن في مسألة العبد الفقير إلا ذليلا وحرصا على الدنيا جليلا ، وفي الاستشراف إلى العبيد طمع في غير مطمع ، ونظر إلى غير الله ، وإتيان البيوت من غير أبوابها . ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها . وقال صلى الله عليه وسلم : من استغني أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر . فكان الفقراء الصادقين جعل لهم أخذ العطاء ، بل ندبوا إلى قبوله عوضا لهم من ذلك لما منعوا من الاستشراف والسؤال تنزيها لهم وتفضيلا ، فمثلهم في ذلك مثل أهل البيت جعل لهم خمس الخمس من الغنائم لما حرمت عليهم الصدقة تفضيلا لهم وتشريفا . وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فيه فضل عمّا كان استأجره عليه فرده ، فلما ولَّى قال له أحمد : الحقه فادفعه فإنه يأخذه قال : فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ ، فسأل أحمد عن ذلك : كيف رد في الأوّل وأخذ في الثاني ؟ فقال : إنه كان قد استشرف لذلك فرده ، وقد أحسن فلما انصرف أيست نفسه منه فلذلك قبل . وقد كان الخواصّ إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس له ، لم يقبل منه شيئا . وكان يقول : صوفي لا يكون بحريف ، وهذا كله يحسن في حال المنفرد . فأما ذو العيال فالأمر عليه واسع من ذلك ، ولا بأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس ، لأن عياله عيال الله عنده ، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده ، فإن طلب لهم وحث على استخراج حقهم ممّا أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله . وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف ، فقال له سعد : أشاطرك مالي وأهلي ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك . دلوني على السوق ، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وأقط ، فلو كان التكسب في الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله ، ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : إياك والتنعم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين . ورؤي فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيا وهو أمير مصر ، فقيل له : لم أنت هكذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا . ثم اختار عبد الرحمن أيضا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ولأن الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب . وأعلى من عبد الرحمن مقاما إمام الأئمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، لما بويع بالخلافة أخذ الأثواب تحت حضنه ودخل السوق ينادي : هذا في أتم أحواله . حين أهل للخلافة وأقيم مقام