أبي طالب المكي
251
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
عن سيّئاته في أصحاب الجنة ولم تكن له مقامات المقربين ولا درجات السابقين وهو ممن قال الله سبحانه وتعالى : * ( إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ من لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) * [ النساء : 40 ] . يعني الجنة وإن خف إضاعته الفرائض لسنّته كان من الموقنين للحساب الطويل واحتاج إلى شفاعة الشافعين ، فإن كان فرائضه الخمس ناقصة ، وكان مرتكبا للكبائر فهو من الهالكين ، لأنه ممن خفت موازينه من المؤمنين ، وهذا من المسرفين هم أصحاب النار ، فيدخل النار لنقص إسلامه ولوفور سيّئاته عليه إذ لم تمحها حسناته ولتطول نوافله بانتهاكه الكبائر ، ولأن هذا نقص من مثقال دينار إلَّا أنه لا يكون من المخلدين لصحة توحيده ، وعلى أنه أول من يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان فهو في أول طبقة يخرج هذا إلى زنة شعيرة إلى ذرة من إيمان ، وهؤلاء آخر الطبقات خروجا إلى أن يبدو لبعضهم من الله تعالى ما لا يحتسبه ويظهر له غدا ما لا يعلمه ، فيعفى عن البعض ولا يجعل ممن حق عليه الوعيد لما سبق له من الكلمة الحسني ، ويتجاوز عن سيّئاتهم في أصحاب الجنة . وقد جاء في الخبر : يؤتى بالرجل من هذه الأمة فيسدّ به ركن من أركان جهنم . وقد جاء في الخبر : أنّ العبد ليوقف بين يدي الله عزّ وجلّ وله من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنة ، فيقوم أصحاب المظالم فيوجد قد سبّ عرض هذا ، وأكل مال هذا ، وضرب هذا ، فيقص من حسناته حتى لا تبقى له حسنة . فيقول الملائكة : يا ربنا قد فنيت حسناته . وبقي طالبون كثير . فيقال : ألقوا من سيّئاتهم على سيّئاته وصكَّوا له صكَّا إلى النار . وقد جاء في العلم أنّ آخر من يبقى في جهنم من الموحدين سبعة آلاف سنة . وروينا عن أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة : وفيه شدة . وقال : والله لا يخرج عبد من النار بعد أن دخلها حتى يقيم فيها سبعة آلاف سنة . وهذا والله أعلم آخر من يخرج من النار لأنهم يخرجون زمرا متفاوتون من اليوم والجمعة والشهر والسنة إلى ستة آلاف سنة فأكثرهم إيمانا أقلهم مقاما وأقلهم مكثا أولهم خروجا . أما أول زمرة تخرج من في قلبه مثقال من الإيمان فهذا أقلهم لبثا وأسرعهم خروجا إلى شعيرة إلى ذرة ، فهؤلاء أقلهم إيمانا وأنقصهم توحيدا وأعظمهم جرما وأشدّهم على الله عتيا وهم أكثرهم مقاما وقد اشتهر خبر من يخرج من النار بعد ألف عام ينادي : يا حنّان يا منّان . فقال الحسن لما روى هذا الحديث يا ليتني كنت ذلك الرجل لشدة خوفه خاف أن يدخلها ثم عظم خوفه فخاف أن لا يخرج منها فتمنى أن يخرج منها بعد ألف عام .