أبي طالب المكي
252
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وقد جاء في الخبر : آخر من يخرج من النار وهو أيضا آخر من يدخل الجنة . فلعله والله أعلم بعد سبعة آلاف سنة فيعطى من الجنة مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف . رواه أبو سعيد وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومعنى الحكمة في إدخال البشر إلى النار على ترتيب الكون أنهم خلقوا من ماء ثم خالطه ما امتزج به من الأهواء فلا يستخرج ذلك إلَّا بالنار ، فإنها تخرج الماء مما مازجه حتى يخلص ، وأنهم أيضا خلقوا من تراب الأرض بمنزلة الخشب المعوجّ يقوم بالنار حتى يستقيم ، ثم يقطع عنه النار ويستقيم ذلك فعندها يصلح لغير النار وموضع الحكمة في تخليد الكافرين والشياطين في النار أنّ أرواحهم خلقت من جوهر النار فرجعت إلى معدنها ، وهي أيضا سوداء مظلمة نارية ، وهم أيضا خلقوا لها لا يصلحون لغيرها بمنزلة الحطب والشوك والحراق الذي لا يصلح إلَّا للنار . فتبارك الله تعالى حكمته معتدلة في الأشياء وحكمه غامض فيها ، ينظر بعين التعديل فيقسم بها المقادير بمعاني التنقيص والتفضيل . ومجمل ما ذكرناه أنّ كل وصف يكون للعبد من الخير كفر عنه سيّئاته ، فإن نوافله ساقطة وكل وصف يكون له من الشرّ لا يحبط نوافله ، فإن نوافله موفرة ثابتة ومن كان عاملا للحسنات وهو في ذلك يرتكب بعض الكبائر فإن أعمال برّه وفضائله موقوفة إلى التوبة ، فإن تاب واستقام كفرت توبته ما سلف من كبائره وبدلت استقامته على الطاعة سيّئاته حسنات . وأكثر ما يوبق الناس من الكبائر المظالم ، وأكثر ما يدخلهم النار ذنوب غيرهم إذا طرحت عليهم وكثير يدخلون الجنة بحسنات غيرهم إذا طرحت عليهم لأنها صحيحة ثابتة ، وقد تبطل حسناتهم لدخول الآفات عليها . بلغني عن أبي عبد الله بن الجلاء أنّ بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه ليستحلَّه فقال : لا أفعل ، ليس في صحيفتي حسنة أفضل من حسناته ، أريد أن أزين صحيفتي بها . وفي الحديث : ذنب يغفر وذنب لا يترك ، فالذنب الذي يغفر ظلمك نفسك ، والذنب الذي لا يترك مظالم العباد ، والتوبة طريق الكل ، والرحمة تسعهم ، وباب التوبة مفتوح للكافة إلى طلوع الشمس من مغربها . وكل عبد توبته متقبلة ما لم تبلغ الروح الحلقوم ولم يعاين الملائكة فإذا بلغت الروح التراقي وعاينت الأملاك غلق عليه باب التوبة ومات على الإصرار . وقيل : من راق أي من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ وظن أنه الفراق أيقن أنه قد فارق الدنيا بمعاينة الآخرة وفارق الناس والأهل بمعاينة الملائكة ، فإن مات عن غير توبة كان ممن قال الله عزّ وجلّ : * ( وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) * [ سبأ : 54 ] قيل : التوبة كما فعل بأشياعهم من قبل . ولما قال تعالى : * ( ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ