أبي طالب المكي

250

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

قرينان يعتلجان ويتقاومان في العظم والمعنى بالتضاد . فالكبائر كبرت فكفّر اجتنابها ما دونها من الصغائر ، والفرائض الخمس التي هي أبنية الإسلام إذا تممت كفّرت ما بعدها من السيّئات وثبت للعبد نوافله وتبدل سيّئاته حسنات فيكون له فضل عظيم يرجى له الجنة ومنازل العاملين وهو السابق بالخيرات . قال الله تعالى : * ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) * [ النساء : 31 ] وقال من بعد الكبائر : * ( إِلَّا من تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) * [ الفرقان : 70 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلوات الخمس كفّارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر . فالفرائض الأربع التي هي أبنية الإسلام منوطة بالصلوات الخمس ، لا تصحّ إلَّا بها كالشئ الواحد بمنزلة الأربع . فالصلوات مرتبطة بالشهادتين ، إن ترك خصلة منها كان كترك الخمس لأنها أسّ الإسلام وأبنية الإيمان . واجتناب الكبائر منوط بالشهادتين لا يقع جميع ذلك إلَّا بهما ، فإذا انتهكت الكبائر أحبطت الأعمال الفرائض الخمس ، أحبطت ما بينها من السيّئات إلَّا الكبائر ، فإنها كبرت فلا تكفرها فلا يبقى للعبد يوم القيامة مع ارتكاب الكبائر من الأعمال إلَّا الفرائض الخمس ، وقد أكل سائر نوافله ارتكاب الكبائر فيخاف عليه النار ومنازل المسرفين وهذا هو ظالم لنفسه وهو الذي حذر الله تعالى المؤمنين عنه قال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) * [ محمد : 33 ] ، ومنه قوله تعالى : * ( بَلى من كَسَبَ سَيِّئَةً وأَحاطَتْ به خَطِيئَتُهُ ) * [ البقرة : 81 ] قيل : هي الكبائر أحاطت بجميع حسناته فمحقتها ، وعلى هذا اختيارنا هذا الحرف من مقرانا وعلى الوجه الآخر وأحاطت به خطيئة هي الشرك الذي ختم له به فلم ينفعه عمل كان قبله ، فإن قصر في الفرائض الخمس التي هي مباني الإسلام إلَّا أنه مجتنب الكبائر كفّرت عنه سيّئاته كلها ، وتممت فرائضه بسائر نوافله لأنّها ثابتة له بعد أن يحصل له صحة التوحيد ويسلم من كبائر البدع التي تنقل عن الملة ، وهذا ممن استوت حسناته وسيئاته فيطول وقوفه للحساب ويشاهد الزلازل والأهوال ليكون ذلك رجحان حسناته ويجعل من أصحاب الأعراف على أعراف السور هي شرفه التي بين الجنة والنار هو الحجاب الذي بين أهل النار وأهل الجنة إلى أن يتفضل الله تعالى عليه بفضل رحمته ، فإن سمح له مولاه فعفا عنه سقط عنه هذا كله وأدخل الجنة في أصحاب اليمين ، وهذا هو المقصد المتوسط بين الظالم لنفسه والسابق إلى ربه ، فإن لم يكن له نوافل مع نقصان فرائضه لم يبق له من أعماله إلَّا اجتناب الكبائر فيوزن ما بقي من عمله وهو اجتنابه الكبائر بفرائضه النواقص ، فإن رجح اجتناب الكبائر مثقال ذرة أو فضلت له حسنة واحدة ، ضاعفها الله تعالى بالمزيد وتجاوز