أبي طالب المكي
242
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس . قد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وتركها عافية على خلقتها أحبّ إليّ . وقد روينا خبرا من سعادة المرء خفة لحيته ، إلَّا أنّ بعض الرواة رواه على معنى آخر فإن لم يكن صحفه فهو غريب . كان يقول فيه خفة لحيته أي بتلاوة القرآن ولا أراه محفوظا . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصالحون بعده يسرّحون لحاهم لأجل الدين والسنّة وتنظيفا للطهارة ونزع التفث من القمل وغيره ولإسقاط شعر ميت إن كان هناك . وقد كان من الزّهاد من يترك لحيته متفتلة لا يسرّحها شغلا عن نفسه ، والصدق بعينه حسن والصدق في كل شيء حسن . قال بعضهم : رأيت داود الطائي منفتل اللحية . فقلت : يا أبا سليمان لو سرّحت لحيتك . فقال : إني إذا لفارغ ، إلَّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدهن شعره ويرجله غبّا . وأمر بذلك فقال : وادهنوا غبّا . وقال : من كانت له شهرة فليكرمه ودخل رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال : أما كان لهذا دهن يسكن به شعره ؟ ثم قال : يدخل أحدكم كأنه شيطان . وقد روينا في خبر غريب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرّح لحيته في كل يوم مرتين . وفي خبر أغرب منه قالت عائشة رضي الله تعالى عنه : اجتمع قوم بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم فرأيته يطلع في الحب ليسوي من رأسه ولحيته . وفي الخبر المشهور أنه كان يمشط لحيته في كل يوم ، وأن المشط والمدري لم يكن يفارقه في سفر ولا حضر ، فهذه سنّة العرب المعروفة فيهم وكان عليه الصلاة والسلام عليها ، وكانت من أخلاقه . وقد كان الشباب يتشبهون بالكهول تفضيلا للكهول غير عجب بالشباب ولا فخر بالحداثة . وفي الخبر : خير شبابكم من تشبّه بشيوخكم وشرّ شيوخكم من تشبّه بشبابكم . وفي الحديث : أنّ من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة لمسلم . وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب ويرون فضلهم بالعلم والدين تواضعا وإخباتا لا تكبّرا بالكبر ولا غلوّا . كان عمر رضي الله تعالى عنه يقدم ابن عباس وهو حدث السنّ على أكابر الصحابة ويسأله دونهم . وروي عن ابن عباس وغيره : ما آتى الله تعالى عبدا العلم قط إلَّا شابا والخير كله في الشباب . ثم تلا قوله تعالى : * ( قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ) * [ الأنبياء : 60 ] . وتلا قوله سبحانه : * ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ) * [ الكهف : 13 ] . وقوله تعالى : * ( وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) * [ مريم : 12 ] . وقد كان أنس بن مالك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قبض . وليس في شعر رأسه وشعر لحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل ولم يا أبا حمزة وقد أسنّ ؟ قال : لم يشنه الله تعالى بالشيب . قيل : أو شين هو ؟ قال : كلكم يكرهه . ويقال إنّ يحيى