أبي طالب المكي
243
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
بن أكثم ولي القضاء وسنّه إحدى وعشرون سنة فقال له رجل ذات يوم وهو في مجلسه يريد أن يحشمه بذلك كم سنّ القاضي أيده الله تعالى ؟ فقال مثل سن عتاب بن أسيد حيث ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه . وروينا عن مالك بن معول قال : قرأت في بعض كتب الله عزّ وجلّ : لا تغرنّكم اللحى فإن التيس له لحية . وقال بعض الأدباء كلما طالت اللحية تشمّر العقل وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيته طويل القامة صغير الهامة عريض اللحية فاقض عليه بالحمق ، ولو كان أمية بن عبد شمس . وقال معاوية رحمه الله تعالى : يتبين حمق الرجل من طول قامته وعظم لحيته ، وفي كنيته ونقش خاتمه . وكان إبراهيم النخعي ومثله من السلف يقول : عجبت لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته فيجعلها بين لحيتين فإن التوسط في كل شيء حسن وأنشدت لبعض الظرفاء : لا تعجبنّ بلحية * كبرت منابتها طويله يهوى بها عصف الرياح * كأنها ذنب الحسيله قد يدرك الشرف الفتى * يوما ولحيته قليله وأنشد لبعض العرب : لعمرك ما الفتيان * إن تنبت اللحى ولكنما الفتيان * كل فتى ندي ولم يكن الأشياخ يستنكفون أن يتعلموا من الشباب ما جهلوا ولا يزرون عليهم لصغر سنهم إذ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا مانع لما أعطى الله من صبي أو غيره ولا معطي لما منع الله من كبير أو غيره . وقال أبو أيوب السجستاني : إني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه فيقال له تتعلم من هذا ؟ فيقول : نعم . أنا عبده ما دمت أتعلم منه . وقال عليّ بن الحسن من سبق إليه العلم فهو إمامك فيه وإن كان أصغر سنّا منك . وقيل لأبي عمرو بن العلاء : أيحسن للشيخ الكبير أن يتعلم من الصغير ؟ فقال : إن كانت الحياة تحسن به فإن التعلَّم يحسن ، فإنه يحتاج إلى العلم ما دام حيّا . وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي رضي الله تعالى عنه : يا أبا عبد الله تترك حديث سفيان بعلوّ وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه ؟ فقال أحمد : لو عرفت منه ما أعرف لكنت تمشي من الجانب الآخر . إن علم سفيان إن فاتني بعلوّ أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلوّ ولا نزول . وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول . إني لأرى الصبي يعمل الشيء فأستحسنه فأقتدي به فيكون إمامي فيه وما رأيت