أبي طالب المكي

236

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

في جماعة إذا أمن الفتنة وسلم له دينه ، ومجتنبا للغيبة ولذكر الناس ، يحبّ للكافة ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ومسارعاً إلى الخيرات ، مسابقا إلى أعمال البرّ والقربات ، طويل الصمت ، ليّن الجانب ، ذليلا للمؤمنين ، عزيزا على المتكبرين ، لا يماري في الباطل ولا يداهن في الدين ، ولا يبغض على شيء من الحق وإن كان عليه ، أو من أبعد الناس منه ، ولا يحبّ على شيء من الباطل وإن كان له أو من أقرب الناس إليه ، كارها للمدح ممن يحبه ، قابلا للنصح ممن يبغضه ، يكون المدح والذم يجريان من قلبه مجرى واحد ، صدوقا فيما يضرّه ، غير متصنّع بما يستعجل نفعه ، سريرته أفضل من علانيته ، محتملا لأذى الخلق ، صابرا على بلائهم ، منفردا بحاله عنهم ، تاركا الكثير من مجالسهم واجتماعهم خشية دخول الشبهات عليه ، وخوفا من تغيّر قلبه له . ومن اجتمعت فيه هذه الخصال في زماننا هذا فهو من المريدين للآخرة ، وهذه ولاية ثانية ونظرة ثانية . ويقال إنّ أبدال كل قرن على قدر زمانهم وفي كل قرن سابقون ومقربون . وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى : * ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) * [ الانشقاق : 19 ] . قال : لتركبنّ في كل قرن في طبقة من الناس على حال لم يكونوا عليه . وأكثر ما قيل في القرن مائة سنة ، وأقل ما قيل فيه أربعون ، وأوسط ذلك وأعدله وأشبهه بحمل الأحاديث والأخبار فيه أنّ القرن سبعون سنة ، وهو قول عليّ رضي الله عنه ، لأن رأس المائتين تمام ثلاثة قرون من المبعث ، ونحن الآن في القرن السادس من أول سنة أربعين وثلاثمائة وآخره سنة عشر وأربعمائة . ويقال : إن الشمس تطلع من المغرب بعد القرن السابع وهو رأس الثمانين وأربعمائة وعلى قول من قال : القرن مائة سنة تطلع بعد سبعمائة سنة . وفي الخبر : أنّ ملك الموت إذا جاء لقبض روح المؤمن قال له ملكاه : أنظرنا حتى نملأ مسامعه من الثناء الحسن . فيقولان : جزاك الله عنّا خيرا فإنك كنت ما علمنا سريعا في طاعة الله تعالى بطيئا عن معاصيه تحبّ الخير وأهله وتعمل بما استطعت منه ، فربّ كلام حسن قد أسمعتنا ومجلس كريم قد أجلستنا فأبشر بالموعود الصدق بيننا وبينك الوقوف بين يدي الله تعالى بالشهادة لك عنده غدا . ذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين وذلك عشر خصال مجموعة من ستة أحاديث ، حديث عليّ رضي الله عنه : للمسلم على المسلم ست خصال واجبة ، وحديث أبي أيوب الأنصاري : حق المسلم على المسلم ستّ خصال إن ترك منها شيئا ترك حقّا واجبا عليه ، وحديث البراء بن عازب : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، وحديث ابن مسعود : للمسلم على المسلم أربع خلال