أبي طالب المكي
237
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
واجبات ، وحديث سعد وأبي هريرة في معنى ذلك ، وحديث أنس : أربع من حق المسلم عليك إلَّا أنه ذكر غير ذلك ، فاختلفت الألفاظ في الخصال وأنفقت المعاني . وذكر بعضهم في حديث ما لم يذكره الآخر ، فجمعنا اختلافهم وعدد جمل الخصال فكانت عشرة إلَّا ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه ، فإنه حديث غريب مؤكد للخصال وزائد عليها في الألفاظ نذكره بعدها . فأما الخصال العشر التي كثرت الأخبار بها فهي أن يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات ، ويبرّ قسمه إذا أقسم عليه ، وينصح له إذا استنصحه ، ويحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنه ، ويحبّ له ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه ، فأما حديث أنس : فروينا عن إسماعيل بن أبي زياد عن أبان بن عياش عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع من حق المسلم أن تعين محسنهم وأن تستغفر لمذنبهم وأن تدعو لمدبرهم وأن تحب تائبهم ، فهذه الخصال داخلة في تلك الخصال وجامعة لها في معنى النصيحة لأخيك ، وفي أن تحب له ما تحبّ لنفسك . وقد كان ابن عباس يؤكد هذا المعنى خاصة للمسلم على المسلم ، ويفرضه فرض الحلال والحرام ، ويفسّر به قوله : رحماء بينهم . فحدثناه في رواية جبير عن الضحاك عنه في قول الله عزّ وجلّ : رحماء بينهم ، يعني متوادّين بينهم ، يدعو صالحهم لطالحهم ، إذا نظر الطالح إلى الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال : اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير ، وثبته عليه ، وانفعنا به ، وإذا نظر الصالح إلى الطالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال : اللهم اهده ، وتب عليه ، واغفر له . قال ابن عباس هذه الآية من حلالكم وحرامكم ، فهذه الخصال المذكورة جامعة مختصرة في حرمة المسلمين ووجوب حق بعضهم على بعض لا عذر لأحد منهم في تركها إلَّا من عذرته السنّة ، ويشهد له العلم ، وبعضها أوكد من بعض وأكمل المؤمنين إيمانا لقومهم بها وأسرعهم إليها قد كثرت بها الروايات . وقد كان بعض السلف تركوا منها ثلاثة : إجابة الدعوة ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، إلَّا أنّ هؤلاء اعتزلوا الناس أصلا وكانوا أحلاس بيوتهم لم يخرجوا إلَّا إلى الجمعات ، ومنهم من ترك الجماعات وكان منهم من تبوأ الجبانات وفارق الأمصار والإخوان . وقال سهل : ما أعلم شيئا أشدّ من حقوق الناس وكان يقول من كفّ أذاه عن الخلق مشى على الماء . وقال أبو يزيد وغيره بغية العقلاء السلامة من الله تعالى . ومن أراد السلامة من الله فليسلم الناس منه . فمن أراد أن يسلم الناس منه فليبعد منهم . فقد أنشدت لبعضهم في معناه : الناس بحر عميق * والبعد منهم سلامه وقد نصحتك فانظر * لا تدركنك ندامة