أبي طالب المكي
235
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الواسع ، وهو وصف لطريق جامع لجوامع المحاج كلَّها ، كأنه طريق يستوعب ويجمع سائر الطرق . وللطريق أسماء كثيرة منها الصراط المستقيم والسبيل والمنهاج والمحجّة والمنسك . وجاء من اشتقاق هذا اللفظ أربعة أسماء : شارع ، ومشرعة ، وشرعة ، وشريعة ، وهو اسم لأوسعها وأوعبها لجميع الطرق . فالشريعة تشتمل على اثنتي عشرة خصلة هي جامعة لأوصاف الإيمان ، أول ذلك الشهادتان وهي الفطرة ، والصلوات الخمس وهي الملة ، والزكاة وهي الطهرة ، والصيام وهو الجنة ، والحج وهو الكمال ، والجهاد وهو النصر ، والأمر بالمعروف وهو الحجة ، والنهي عن المنكر وهو الوقاية ، والجماعة وهي الألفة ، والاستقامة وهي العصمة ، وأكل الحلال وهو الورع ، والحبّ والبغض في الله وهو الوثيقة . وقد روينا بعض هذه الخصال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء نحوها عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما . ذكر شرط المسلم الذي يكون به مسلما لا يكون معتقد البدعة ، ولا مقيما على كبيرة ، ولا آكل الحرام ، ولا طاعنا على صالح السلف ، ويكون كافّ اللسان واليد عن أعراض المسلمين وأموالهم ، ويكون ناصحا لجميع المسلمين مشفقا عليهم ، يسرّه ما يسرّهم ويسوءه ما يسوءهم ، سيما لأئمتهم ، داعيا لجملتهم ، ويكون مخلصا لأعماله كلها لله تعالى . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه . وروي عنه : ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العلم لله تعالى ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . ومن اجتمعت فيه هذه الخصال في زماننا هذا فهو من أولياء الله عزّ وجلّ ، وهذا أول ولاية وأول نظرة من الله تعالى حامية عاصمة راحمة . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله : اكتب إليّ بسيرة عمر في الناس فإني أحب أن أسير بها فكتب إليه : أما بعد فإنك لست في زمان عمر ، ولا لك رجال كرجال عمر ، فإن عملت في زمانك هذا ورجالك هؤلاء بسيرة عمر فأنت خير من عمر رضي الله عنه . ذكر حسن إسلام المرء وعلامات محبة الله تعالى له يكون محبا للخير وأهله ، مجانبا للشرّ وأهله ، مسارعا إلى ما ندب إليه أو أمر به إذا قدر عليه ، حزينا على ما فات من ذلك إذا أعجزه ، تاركا لما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ، بريئا من التكلَّف ، وهو اجتناب ما لم يؤمر به ولم يندب إليه من ترك وفعل مصلَّيا للخمس