أبي طالب المكي

234

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

ما أمر به ، وحسن الصبر عمّا نهى عنه ، فإن ذلك من أفضل الأعمال وله فضائل المزيد والكمال . وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتّق المحارم تكن من أعبد الناس . وفي لفظ آخر : تكن من أورع الناس . ومن أحسن ما سمعته من عظيم المثوبة في الصبر عن المعصية ما حدثونا في الإسرائيليات : أنّ رجلا تزوّج امرأة من بلدة ، وكان بينهما مسيرة شهر . فأرسل إلى غلام له من تلك البلدة ليحملها إليه فسار بها يوما . فلما جنه الليل أتاه الشيطان فقال له : إنّ بينك وبين زوجها مسيرة شهر فلو تمتعت بها ليالي هذا الشهر إلى أن تصل إلى زوجها ، فإنها لا تكره ذلك وتثني عليك عند سيدك فتكون أحظى لك عنده . فقام الغلام يصلي فقال : يا رب . إن عدوك هذا جاءني فسوّل لي معصيتك ، وإنه لا طاقة لي به في مدة شهر وأنا أستعيذك عليه يا رب فأعذني عليه ، واكفني مئونته . فلم تزل نفسه تراوده ليلته أجمع وهو يجاهدها حتى أسحر فشدّ على دابة المرأة وحملها وسار بها . قال : فرحمه الله تعالى ، فطوى له مسيرة شهر فما برق الفجر حتى أشرف على مدينة مولاه . قال : وشكر الله تعالى له هربه إليه من معصيته فنبأه ، فكان نبيّا من أنبياء بني إسرائيل ، ثم إعداد العدة لما يستقبل إذا كان ذلك من مريدي السعي للآخرة والشغل بالنفس والإقبال عليها دون الناس فقد وجب ذلك ، والزهد في فضول الشهوات واجتناب كثير من الشبهات فقد افترض ذلك ، وقلة الذكر للناس ولأمور الدنيا فقد حسن ذلك ، ومنه غفلة وقسوة للقلب وكثرة الذكر لله تعالى والتذكير به وذكر آلائه ونعمائه وحسن الثناء عليه والمدح له . وقد كان بعض العلماء يقول : من جالسنا فليجتنب ذكر ثلاث خصال وليقض فيما يشاء : يجتنب ذكر الناس فإنهم داء ، ويجتنب ذكر الدنيا فإنها قسوة ، ويجتنب كثرة الطعام فإنها شره . وقال عالم آخر : من جالسنا فلا يذكر إلَّا الله وحده ، فإن كان لا بدّ من ذكر غيره فليذكر الآخرة وليذكر الصالحين . وكان سهل رحمه الله تعالى ورضي عنه يقول : السنّة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأول السنة الزهد في الدنيا لأنهم كانوا زاهدين . وكذلك جاء الخبر في وصف الفرقة الناجية : من كان على ما أنا عليه وأصحابي فقد كانوا على هذه الأوصاف التي ذكرناها ، فمن كان على ذلك فهو على السنّة فهذه فضائل السنّة وهو مزيد الإيمان وحسن اليقين . ذكر عرى الإيمان وجمل الشريعة قال الله جلّ ثناؤه وصدقت أنباؤه : * ( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ من الأَمْرِ فَاتَّبِعْها ) * [ الجاثية : 18 ] . فالشريعة اسم من أسماء الطريق ، وهو اسم الطريق الواضح المستقيم