أبي طالب المكي
218
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها ، أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح ، فيما توجب الأفعال الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية ، إلَّا أنّ ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف وتضادّ ، وليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم ، إذ قد يجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن ، فيكون ما ذكره من عقود القلب ووصف قلبه ، وما ذكره من العلانية وصف ظاهر جسمه . والدليل على ذلك أنه جعل وصف الاسمين معنى واحدا في حديث ابن عمرو في حديث وفد عبد القيس الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس . وقد روى ذلك مفصّلا في حديث عليّ رضي الله تعالى عنه : الإيمان قول باللسان ، وعقد بالقلب ، وعمل بالأركان . فأدخل أعمال الجوارح في عقود الإيمان . وأيضا فإن الأمة مجمعة أنّ العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل عليه السلام من وصف الإيمان ، ولم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح لا يسمّى مؤمنا ، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلما . وقد أخبر صلى الله عليه وسلم : أنّ الأمة لا تجتمع على ضلالة ، وليس فيه دليل على أنّ الإسلام غير الإيمان ، أو أنّ المسلمين سوى المؤمنين ، أو أنّ الإيمان ضدّ الإسلام . والوجه الثاني من تأويل الخبر أنّ معنى قوله أو مسلم يعني به أو مستسلم . فإذا جمع بين عقود القلب وبين أعمال الجوارح كان مسلما مؤمنا . ومن لم يقل بهذا الذي ذكرناه فقد كفّر أبا بكر رضى الله تعالى عنه وجهله في قتال أهل الردة وادّعى عليه أنه قتل المؤمنين ، لأن القوم جاؤوا بعقود الإيمان ولم يجحدوا التوحيد ولا أكثر الأعمال وإنما أنكروا الزكاة فاستحلّ قتلهم . وواطأه الصحابة على ذلك حتى استتاب من رجع منهم . وأما الحديث الآخر الذي جاء ظاهره أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فرّق بين المؤمن والمسلم في أنه أعطى رجلا ولم يعط الآخر . فقال له سعد : يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال : أو مسلم ؟ فأعاد عليه . فأعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مسلم ؟ فإنما في هذا دليل على تفرقة الإيمان والإسلام في التفاضل والمقامات ، أي ليس هو من خصوص المؤمنين ولا أفاضلهم ، فكشف مقامه الذي خفي على سعد كما كشف مقام حارثة عن حقيقة إيمانه ، إذ كان خاملا لا يؤبه له فقال : كيف أصبحت ؟ فنطق بوجده عن مشاهدته . فقال : عرفت فالزم ، فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الإيمان على مقام الإسلام ، وأنّ المؤمنين يتفاضلون في الإيمان ، وإن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام ، وأنّ الإيمان لا حدّ له وإن كانت صحته بمحدود الإسلام . فآثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آمن طوعا على المكره . وكان رسول