أبي طالب المكي

219

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

الله صلى الله عليه وسلم إنما يعطي من المؤلفة الرؤساء ، ومن لا يؤمن عاديته . وجمعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه المشركين كما أكرم الرجل بعد أنّ تكلم فيه فقيل له في ذلك . فقال : هذا أحمق مطاع ، أو من يكثر عشيرته وأتباعه فيكون ظهيرا على المؤمنين ، أو من فيه غنى للمسلمين ومنفعة وعزة للمسلمين . فأما الأتباع والسفلة من المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء ، بل كان يؤثر المؤمنين ، يقدّمهم على أراذل المؤلفة وضعفائهم ، كما فعل بالقسم الذي قسمه بين المؤمنين فأعطاهم ، إلا رجلا من الغزاة له سجادة محلوق الرأس فإنه لم يعطه وقال : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى . والله ما عدل فقال : صلى الله عليه وسلم إن لم أعدل فمن يعدل ؟ وكان ذلك أول قرن نبغ من الخوارج . أفلا تراه لم يعط هذا شيئا ولم يستمله لأنه لم يكن من خصوص المؤمنين ، ولا ممن يتقي بأسه أو يظهر في الإسلام غناه فيتألف بالعطاء ، وهذا مثل قول فرعون حين ألجمه الله الغرق فاضطره إلى الإسلام بقوله : آمنت أنه لا إله إلَّا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، وأنا من المسلمين . أجمع أهل التفسير أنّ معناه من المستسلمين فإن قيل . فقد روي في آخر هذا الخبر في بعض الروايات ما يدل على ضدّ هذا التأويل ، وأنّ الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما ، وهو أنّ في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني لأعطي قوما وأمنع آخرين أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في قلوبهم من الإيمان : منهم فلان . قيل : إنّ هذا كلام مستأنف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاده القائل لأنه بعث بجوامع الكلم . وكان يسأل عن الشيء فيخبر به ويزيد عليه البيان والهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع عطائه وبضروب المعطين من الناس ، هذا للحاجة ، وهذا للفضل ، وهذا للتآلف ، لأن الذي منعه كان أفضل من الذي أعطاه ، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان الإسلام أفضل من الإيمان ، ولكان المسلمين أفضل من المؤمنين ، ولم يقل بهذا أحد من العلماء . إلَّا أنّ الإيمان خاص فيه التفاوت والمقامات ، فهو يشتمل على الإسلام ، والإسلام داخل فيه ، والمؤمنين هم خصوص المسلمين ، منهم المقربون والصديقون والشهداء . والإسلام عام محدود يوصف به عموم المؤمنين ، ويدخل فيه أهل الكبائر والأجرام . ولا يخرج منه من فارق الكفر ووقع عليه اسم الإيمان . كما قال تعالى : * ( فَمَنِ افْتَرى عَلَى الله الْكَذِبَ ) * [ آل عمران : 94 ] وأخبر عنه بالفسوق ، * ( ومن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله الْكَذِبَ وهُوَ يُدْعى إِلَى الإِسْلامِ والله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * [ الصف : 7 ] . فعلى إجماعهم أنّ الإيمان أعلى اسقاط وهم من توهّم أنّ الرجل كان أفضل . كيف وقد روينا تخصيص الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم نصّا أنه سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الإسلام . قيل : فأي الإسلام أفضل ؟ قال : الإيمان . فجعل الإيمان مقاما في الإسلام ، ففي