أبي طالب المكي

210

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

اشتراكهم في المعصية ، وإن كان نعيما كان ذلك على الجسم والروح والنفس ، يشتركون في النعيم كما اشتركوا في الطاعة ، وهذا من أحكام الآخرة ، يكون بمجاري القدرة ليس على ترتيب المعقول ولا عرف العقول ، يوصل الله العذاب والنعيم إلى الأرواح والأجسام وهي متفرقة فيتصل ذلك بهما كأنهما متفقان ، وليس في القدرة مسافة ولا ترتيب ولا بعد ولا توقيت ، ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان أنه حق وعدل وحكمة وفضل ، كما جاء وصفه في العظم ، من أنّ طبقات السماوات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى . والصنج يومئذ مثاقيل الذرّ والخردل بحقيقة العدل . وقد خاب من حمل ظلما فتكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور فيثقل بها الميزان برحمة الله تعالى ، وتكون السيّئات في صورة سيئة تطرح في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى . ويعتقد أنّ الصراط حقّ على ما جاء وصفه في الآثار كدقة شعرة وحدّ السيف ، وهو طريق الفريقين إلى الجنة أو النار ، دحض مزلة يثبت عليه أقدام المؤمنين بقدرة الله عزّ وجلّ ، فيحملهم إلى الجنة بفضل الله تعالى ، وتزل عنه أقدام المنافقين فتهوي بهم في النار بحكم الله عزّ وجلّ ، وهو على متن جهنم بإذن الله تعالى ، من قطعه نجا منها برحمة الله ، ومن زلّ عنه وقع فيها بحكمة الله تعالى ، ويؤمن بوقوع الحساب وتفاوت الخلق فيه . فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا ، ومنهم من يدخل النار بغير حساب ، وهم الكافرون . وكان إمامنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : يسأل الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ويسأل الكفّار عن تكذيب المرسلين ، ويسأل المبتدعة عن السنّة ، ويسأل المسلمون عن الأعمال . فقولنا لقوله تبع . ويؤمن بالنظر إلى الله جلّ جلاله عيانا بالأبصار كفاحا مواجهة تكشف الحجب والأستار بقدرة الله ومشيئته ونوره ورحمته كيف شاء ، وهو معنى قول الله تعالى : * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ ) * [ يونس : 26 ] . فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى الله تبارك وتعالى . وكذلك فسّره رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويعتقد إخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحّد بفضل الله بشفاعة الشافعين من النبيّين والصدّيقين ، وإنّ لكل مؤمن شفاعة بإذن الله ، فيشفع النبيّون والصديقون والعلماء والشهداء وسائر المؤمنين كل واحد وسع جاهه وقدر منزلته . أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة وفي إخراج الموحدين من النار ، وهم الجهنميون من أهل الطبقة العليا من النار ، وهو معنى قول الله تعالى : * ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) * [ الحجر : 2 ] . قال أهل التفسير ذلك عند إخراج الموحدين من النار ، ويبقى الباقي لرحمة أرحم الراحمين ، فيخرج من النار بمشيئته ، وسعة رحمته ، وفضل فضله . من لم يشفع لهم الشافعون ولم يقدم في الشفاعة