أبي طالب المكي

211

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

لهم المرسلون . هكذا روينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذه عقود السنّة الهادية وطريقة الأمة الراضية . وقد أجمع السلف من المؤمنين على ما ذكرناه من قبل أنه لم ينقل عن أحد منهم خلافه ، ولا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضدّه ، بل قد روي في كل ما ذكرناه أخبار توجب إيجابه ومعان تشهد لإثباته وتولى الله تعالى إجماعهم على سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تولى إظهار دينه على الدين كلَّه . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنّ الله عزّ وجلّ ضمن لي . وفي لفظ آخر : أعطاني أن لا تجتمع أمتي على ضلالة . فإذا رأيتم خلافا فكونوا مع السواد الأعظم ، والسواد الأعظم يعبّر به عن الكثرة . فالمختلفون متفقون على أنّ السواد الأعظم ما عليه العامة من المسلمين والكافة من العموم ، وأنّ المبتدعة والمخالفة لما ذكرناه إنما هم فرق وشراذم قليلون وشيع وأحزاب متفرقون ، لأن كل مبتدعة منهم فرقة ، وكل شرذمة منهم مختلفة . وليس السواد الأعظم والجمّ الغفير الدهماء إلَّا أهل السنة والجماعة ، وهم السواد والعامة . ولذلك كان عمر ابن عبد العزيز وغيره من الصالحين يقولون : ديننا دين العجائز وصبيان المكاتب ودين الأعراب أي هو القوي السليم العام . فسّر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال : من كان على ما أنتم عليه اليوم . فأجمعت الأمة على أنّ ما أحدثت الفرق المختلفة لم تكن عليه الصحابة ولا تكلموا فيه ولا نقل عنهم ، وأنهم كانوا على ما ذكرناه آنفا ، لأنه لم يرو عن أحد منهم خلافه ، بل قد نقل عنهم وفاقه في القرن الأول والثاني . ثم حدث ما ذكرناه من الخلاف في بعض القرن الثالث ، وفي القرن الرابع . وقد كان عمرو بن دينار وأيوب وحماد بن زيد إذا ذكر أحدهم الأرجاء ومذهب جهم يقول : لعن الله دينا أنا أكبر منه ، يعني أنه سبق حدوث هذه المذاهب التي تدين بها المبتدعون فلله الحمد ، ربّ السماوات وربّ الأرض ، العالمين على حسن توفيقه وجميل هدايته . وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . فنعمة الله تعالى علينا بالسنّة كنعمته علينا بالإسلام إذ نعمته علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم كنعمته علينا بمعرفته لاقتران طاعته بطاعته ولحاجة الكتاب العزيز إلى تفسير سنّته . وقد روينا في حديث عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشيطان مع الواحد وهو من اثنين أبعد . ذئب أحدكم كذئب الشاة ، يتبع الشاذة والقاضية . فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، ومن شذّ ففي النار . وروينا عن أبي غالب عن أبي أمامة : أنه نظر إلى رؤس الحرورية جيء بها من البصرة فنصبت على الخشب بدمشق ، قال : شر قتلي تحت ظل السماء وخير قتلي من قتلوه . ثم قال : كلاب النار . ثم قرأ : * ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) * [ آل عمران : 7 ] . ثم قرأ : * ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ