أبي طالب المكي
209
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
يرجو له ويخاف عليه ، وإن من مات مصرّا على الكبائر عن غير توبة منها في مشيئة الله تعالى ، إن أثبت وعيده عليه كان عدلا ، وإن عفا عنه وسمح له بحقه كان ذلك منه فضلا ، ولا نحكم ولا نقطع على الله تعالى بشيء ، ولا نوجب لنا عليه شيئا إنما نحن بين عدله وفضله وبمشيئته واختياره . إن حقّق علينا وعيده فنحن أهل ذلك ، وإن غفر لنا فهو أهل التقوى وأهل المغفرة . كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو ينجزه له ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار . والحديث الآخر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى : * ( ومن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ) * [ النساء : 93 ] . فقال : جزاؤه جهنم إن جازاه . ففي كل قضاء الله تعالى حكمة بالغة وعدل ، وحكم صادق وحق . وإن يصدق بجميع أقدار الله تعالى خيرها وشرها أنها من الله تعالى سابقة في علمه جارية في خلقه بحكمه ، وأنهم لا حول لهم عن معصيته إلَّا بعصمته ، ولا قوّة لهم على طاعته إلَّا برحمته ، وأنهم لا يطيقون ما حملهم إلَّا به ، ولا يستطيعون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا إلَّا بمشيئته . ونؤمن بقدر الله وآياته في ملكه وغيب ملكوته مما ذكر في الأخبار من كرامته لأوليائه ، وإجاباته لأحبائه ، وإظهار القدرة للصدّيقين والصالحين ، مزيدا لإيمانهم وتثبيتا ليقينهم وتكرمة وتشريفا لهم ، وأنه ليس في ذلك إبطال لنبوّة الأنبياء ولا إدحاض حججهم من قبل أنّ هؤلاء غير مثبتين ولا مخالفين للأنبياء ، ولا ادّعوا ما ظهر لهم بحولهم وقوّتهم ، ولا أظهروا دعوة إلى أنفسهم ، ولا تظاهرا به ، ولا اجتلابا للدنيا ، ولا طلبا للرئاسة على أهلها . وإنما هو شيء كشفه الله تعالى لهم من سرّ ملكوته كيف شاء ، وأظهرهم عليه من غيب قدرته أين شاء كما شاء ، تخصيصا لهم وتعريفا ، وهم للأنبياء متبعون ، وعلى آثارهم مقتفون ، ولسنّتهم مقتدون ، فآتاهم الله تعالى ذلك ببركة الأنبياء وبحسن اتباعهم لهم ، ولأنهم إخوانهم أبدالا لا أشكالا وعنهم أمثالا . وقد تواترت الأخبار من الصحابة والتابعين الأخيار بما ذكرنا فغنينا بالتواتر عن التناظر . وأما الثماني الواقعات في الآخرة فأن يعتقد العبد مسألة منكر ونكير يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه عن التوحيد وعن الرسالة ، وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن ، وهما فتانا القبر . كذلك روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معنى قول الله عزّ وجلّ : * ( يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الْحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ) * [ إبراهيم : 27 ] . قيل : عند مساءلة منكر ونكير . ويضلّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ، وعذاب القبر حقّ وحكمة وعدل على الجسم والروح والنفس ، يشتركون في ذلك حسب