أبي طالب المكي

196

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وليرفع بها صوته وإن قال في تلبيته : لبيك يا ذا المعارج ، لبيك حجّا حقّا ، تعبّدا ورقّا ، والرغباء إليك والعمل . فقد روي هذا عن الصحابة وإن اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسن . وفيها كفاية وبلاغ وأحبّ أنّ يذبح وإن لم يجب عليه ويجتنب الأكل من يذبح ما كان واجبا عليه مثل نسك قران أو متعة أو كفارة . واستحب أن يأكل مما لم يكن عليه واجبا وليجتنب المعايب الثمانية في ذبيحته التي وردت بها الآثار . وكذلك في الأضحية فقد نهي أن يضحي بالجدعاء والعضباء والجرباء ، ونهى عن الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء ، التي لا تنقي ، يعني المهزولة ، وهذا جميع ما جاء في عيوب الأضاحي بأخبار متفرقة . فالجدع في الأنف والأذن ، والقطع فيهما ، والعضب الكسر في القرن ، وفي نقصان القوائم ، والجرباء من الجرب ، والشرقاء المشقوقة الأذن من فوق ، والخرقاء المشقوقة من أسفل ، والمقابلة المخروقة الأذن من قدام ، والمدابرة المخروقة من خلف ، والتي لا تنقي المهزولة التي لا نقي لها ، والنقي هو المخ . وقد روينا في تفسير قوله تعالى ذلك : * ( ومن يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ ) * [ الحج : 32 ] . قيل : تسمين الهدي وتحسينه . وأفضل الهدي بدنة ، ثم بقرة ، ثم كبش أقرن أبيض ، ثم الثني من المعز . وإن ساق هديه من الميقات فهو أفضل من حيث لا يجهده ولا يكدّه ، وقد كانوا يغالون بثلاث ويكرهون المكاس ، فيهن الهدي والأضحية والرقبة ، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله . وفي حديث ابن عمر أنّ عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا ، فنهاه عن ذلك وقال : بل أهدها فهذه سنّة في تخيّر الهدى ، وحسن الأدب في المعاملة ، وترك الاستبدال بها طلبا للكثرة ، لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون . إنّ في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين . فكان الخالص الحسن كافيا من الكثير المتقارب . وفي حديث ابن المنكدر عن جابر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما برّ الحج ؟ قال : العج والثج . فالعج هو رفع الصوت بالتلبية ، والثج هو نحر البدن . وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما عمل آدمي يوم النحر عملا أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من إهراق دم ، وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها فإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض ، طيبوا بها نفسا . وفي الخبر : لكم بكل صوفة من شعرها وبكل قطرة من دمها حسنة ، وأنها لتوضع في الميزان فأبشروا ولا يضحى بجذع إلا من الضأن فقط ، وهو ما كان في آخر حوله ، وبالثني من المعز والبقر والإبل . فالثني من المعز ما دخل في السنة الثانية ، والثني من البقر ما دخل في الثالثة ، والثني من الإبل ما