أبي طالب المكي
197
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
دخل في السنة الخامسة ، وإن أحرم من بلده فقد قيل إنه من إتمام الحج والعمرة ومن عزائم الأعمال . روينا عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهما : وأتموا الحج والعمرة لله . قالوا : إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، ولتكن حاضر القلب ، مشاهد القرب عند المواطن المرجوّ فيها الإجابة . وفي المشاهد المبتغي منها المنفعة ، كما قال الله سبحانه وتعالى : ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم ، واستحبّ له أن يمشي في المشاعر من حين يخرج من مكة إلى أن يقف بعرفة ، وإلى أن يرجع من طواف الزيارة إلى منى . ومن استحبّ للحاجّ الركوب فإنه يستحبّ له المشي إلى مكة في المناسك إلى انقضاء حجّه ، ولأن عبد الله بن عباس أوصى بنيه عند موته فقال : يا بنيّ حجوا مشاة ، فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم . قيل : وما حسنات الحرم ؟ قال الحسنة بمائة ألف وأوكد ما مشى فيه من المناسك وأفضله ، من مسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى الموقف ، ومن الموقف إلى المزدلفة في الإفاضة ، ومن المشعر الحرام غداة النحر إلى منى ، وفي أيام رميه الجمار وصومه يوم عرفة فيه فضل إن قوي معه على الدعاء والتلبية ولم يقطعه الصوم عن ذلك ، فإن أضعفه فالفطر أفضل . ولم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ولا أبو بكر ولا عمر وصامه عثمان رضي الله عنه وعنهم . وليعتبر في طريقه وسيره بالآيات وما يرى من الحكمة والقدرة من تصريف الخلق ، وما يحدث الله تبارك وتعالى في كل وقت فيكون له في كل شيء عبرة ، ومن كل شيء موعظة ، فإنه على مثال طريق الآخرة . وليكن له بكل شيء تذكرة ، وفي كل شيء فطنة وتبصرة ، ترده إلى الله تعالى ، وتدله عليه ، وتذكره به ، ويشهده منها فيتفكر في أمره ، ويستدلّ به على حكمته ، ويشهد منه قدرته . وسئل الحسن ما علامة الحجّ المبرور ؟ فقال : أن يرجع العبد زاهدا في الدنيا ، راغبا في الآخرة . وقيل في وصف الحج المبرور : هو كفّ الأذى ، واحتمال الأذي ، وحسن الصحبة ، وبذل الزاد . ويقال : إنّ علامة قبول الحج ترك ما كان عليه العبد من المعاصي والاستبدال بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة . فمن وفّق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده ، ومن أصيب بمصيبة في نفسه وماله فهو من دلائل قبول حجه ، فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله تعالى ، الدرهم بسبعمائة ، وبمثابة الشدائد في طريق الجهاد ، وليستكثر من الطواف بالبيت ، لأنه يستوعب بطواف أسبوع مائة وعشرين رحمة يكون بكل رحمة ما شاء الله ، لأنه سبحانه يختصّ برحمته من يشاء ، وأقل ماله بكل رحمة عشر حسنات ، لأن في حديث عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ينزل الله على هذا البيت