أبي طالب المكي
195
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الرأس من الجسد ، يألم الجسد لما يألم الرأس ويألم الرأس لما يألم الجسد . وقد يترخص القائل في ذلك بتأويل أنه مضطر إليه ، وليس كما يظن ، لأنه لو رجع لما أخذ منه شيء ، ولو خرج في زيّ المترفين مما أحدث من المحامل لما أخذ منه شيء ، فقد زال الاضطرار وحصل منه بالطوع والشهوة الاختيار ، لعل هذا الذنب عقوبة ما حملوا على الإبل فوق طاقتها من البيوت المسقفة التي علوها عليها . كان البعير يحمل الرجل ورحله فجعلوه يحمل مقدار أربعة وزيادة ، فأدى ذلك إلى تلفها . فهم مطالبون بقتلها ، لأن من حمّل بعيرا فوق طوقه حوسب بذلك وطولب ، أو لعلَّه ذنب ما خرجوا به من التجارات وفضول الأسباب وشبهات الأموال أو لسوء النيات وفساد المقاصد . وروينا أنّ أبا الدرداء قال لبعير له في الموت : يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحمّلك فوق طاقتك . وقد يعاقب الله على الذنب بذنب مثله أو فوقه . وينبغي أن يكون في المشاعر والمناسك أشعث أغبر فإنه سنّة . ويكثر ذكر الله في طريقه وجميع مناسكه ، ويذكر به الغافلين ويقل ذكر الناس ويلزم الصمت فيما لا يعنيه ، ولا يتكلَّف ما قد كفى ، ولا يدخل فيما لم يكلف . وإن رأى موضعا للمعروف أمر به أو منكرا نهى عنه . فهذه المعاني تضاعف أمر الحجّ وتفضل الحجاج واستحبّ أن يقرن بين حجة وعمرة من ميقاته لأن فيه إيجاب هدى يقربه وليكون جامعا بين نسكين من ميقات بلده ، ويكون قد أتى بالعمرة لأنها مقرونة بالحجّ في الكتاب ، ولأن مذهب كثير من العلماء أنها فريضة كالحجّ . وجماعة من السلف كانوا يستحسنون الابتداء بالعمرة وتقديمها على الحجّ . منهم : الحسن وعطاء وابن سيرين والنخعي . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وأهل بهما معا في حديث أنس . وقد حدثت عن شقيق بن سلمة عن الضبي بن معبد قال : أردت الغزو فأشار عليّ رجل من أهل العلم أن أبدأ بالحجّ فاستشرت رجلا من أهل الفقه فأمرني أن أجمع بين حجّ وعمرة جميعا . ففعلت ، فأنشأت إليّ بهما حتى قدمنا على عمر فأخبرته بالذي فعلت . فقال : هديت لسنّة نبيّك وإن قدم العمرة فحجّ متمتعا ثم أفرد الحجّ بعدها من عامه فهو أفضل ، وهذا اختيار جماعة من العلماء ، وإن حجّ مفردا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفرد الحجّ فيما روينا عن عائشة وجابر . وإذا فرغ من حجه رجع إلى ميقات بلده فاعتمر من هناك فحسن . وقد قال الله عزّ وجلّ : وأتموا الحجّ والعمرة لله فإفرادهما من إتمامهما ، وهذا قول عمر وعثمان في الإتمام ، وليطف لقرانه ويسع طوافين وسعيين ليخرج بذلك من اختلاف العلماء جمعهما أو فرّقهما ، وليكثر العبد من التلبية في حال إحرامه فهي من أفضل الأذكار فيه ،