أبي طالب المكي
188
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
السمع عن الإصغاء إلى محرم ، أو الوزر ، أو القعود ، مع أهل الباطل ، وحفظ اللسان عن الخوض فيما لا يعني جملة مما إن كتب عنه كان عليه وإن حفظ له لم يكن له ، ومراعاة القلب بعكوف الهمّ عليه ، وقطع الخواطر والأفكار التي كفّ عن فعلها ، وترك التمني الذي لا يجدي ، وكفّ اليد عن البطش إلى محرم من مكسب أو فاحشة ، وحبس الرجل عن السعي فيما لم يؤمر به ولم يندب إليه من غير أعمال البرّ . فمن صام تطوّعا بهذه الجوارح الست وأفطر بجارحتين : الأكل والشرب والجماع ، فهو عند الله تعالى من الصائمين في الفضل لأنه من الموقنين الحافظين للحدود . ومن أفطر بهذه الست أو ببعضها وصام بجارحتين : البطن والفرج ، فما ضيع أكثر مما حفظ ، فهذا مفطر عند العلماء صائم عند نفسه . وقد قال أبو الدرداء : أيا حبذا نوم الأكياس كيف يعيبون قيام الحمقى وصومهم ، ولذرّة من تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين . ومثل من صام عن الأكل وأفطر بمخالفة الأمر مثل مسح كل عضو ، فصلاته مردودة عليه لجهله . ومثل من أفطر بالأكل والجماع وصام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو مرة واحدة وصلَّى ، فهو تارك للفضل في العدد إلَّا أنه مكمل للرضي بحسن العمل ، فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل وهو مفطر للسعة صائم في الفضل . ومثل من صام من الأكل والجماع وصام بجوارحه الست عن الآثام ، كمثل من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا ، فقد جمع الفرض والفضل وأكمل الأمر والندب ، فهو من المحسنين ، وعند العلماء من الصائمين . وهذا صوم الممدوحين في الكتاب الموصوفين بالذكر من أولي الألباب . ومن فضائل الصوم أن يجتنب من حظوظ هذه الجوارح الشبهات من الأشياء وفضول الحلال ، ويرفض الشهوات الداعية إلى العادات ، ولا يفطر إلَّا على حلال متقلَّلا منه ، فبذلك يزكو الصيام ، ولا يقبل امرأته في صومه ولا يباشرها بظاهر جسمه فإن ذلك إن لم يبطل صومه فإنه ينقصه وتركه أفضل ، إلَّا لقوي متمكن مالك لأربه ، وليقل نومه بالنهار ليعقل صومه بعمارة الأذكار ، وليجد مسّ جوعه وعطشه ، وقد كانوا يتسحرون بالتمرتين والثلاث وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء . ومنهم من كان يقضم من شعير دابته التماسا لبركة السحور ، وليكثر ذكر الله تعالى ، وليقلل ذكر الخلق بلسانه ، ويسقط الاهتمام بهم عن قلبه ، فذلك أزكى لصومه ، ولا يجادل ولا يخاصم وإن شتم أو ضرب لم يكافئ على ذلك لأجل حرمة الصوم ولا يهتم لعشائه قبل محل وقته . يقال : إنّ الصائم إذا اهتم بعشائه قبل محل وقته أو من أول النهار كتبت عليه خطيئة وليرض باليسير مما قسم له أن يفطر عليه ويشكر الله تعالى عزّ وجلّ كثيرا عليه . ومن فضائل الصيام التقلَّل من الطعام والشراب ، وتعجيل الفطر ، وتأخير السحور ، وليفطر على رطب إن كان وإلَّا على تمر إن وجد فإنه بركة ، أو على شربة من ماء فإنه ظهور .