أبي طالب المكي
189
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يفطر على جرعة من ماء ، أو مذقة من لبن ، أو تمرات قبل أن يصلي . وفي الخبر : كم من صائم حظَّه من صيامه الجوع والعطش قيل : هو الذي يجوع بالنهار ويفطر على حرام . وقيل : هو الذي يصوم عن الحلال من الطعام ويفطر بالغيبة من لحوم الناس . وقيل : هو الذي لا يغضّ بصره ولا يحفظ لسانه عن الآثام ويقال : إنّ العبد إذا كذب ، أو اغتاب ، أو سعى في معصية في ساعة من صومه ، خرق صومه . وإنّ صوم يوم يلفق له في صيام أيام حتى يتمّ بها صوم يوم ساعة ساعة . وفي الحديث : الصوم جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة . وكانوا يقولون : الغيبة تفطر الصائم . وقد كانوا يتوضئون من أذى المسلم . وروي عن جماعة في الوضوء مما مسّت النار : لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحبّ إليّ من أن أتوضأ من طعام طيّب . وروي عن بشر بن الحرث عن سفيان : من اغتاب فسد صومه . وروينا عن ليث عن مجاهد : خصلتان يفسدان الصوم : الغيبة والكذب . وروي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس يفطرن الصائم : الكذب ، والغيبة ، والنميمة ، واليمين الكاذبة ، والنظر بشهوة . ويقال : إنّ من الناس من يكمل له صوم رمضان واحد في عشر رمضانات ، وفي عشرين ، مثل سائر الفرائض من الصلاة والزكاة التي يحاسب عليها العبد . فإن وجدت كاملة وإلَّا تممت من سائر تطوعه . ويقال : إنّ العبد يصحّ له صوم في خمسة أيام كما يصحّ له صلاة واحدة بخمس صلوات ترفع له الأوقات . وفي الخبر : من اغتاب خرق صومه فليرقع صومه بالاستغفار . ويقال : إنّ الله تعالى لم يفترض شيئا فرضي بدونه ، وأنه يطالب بما فرضه ويحاسب على ما أوجبه وعفو الله سبحانه وتعالى يأتي على كثير من الذنوب . والمراد من الصيام مجانبة الآثام لا الجوع والعطش ، كما ذكرناه من أمر الصلاة أنّ المراد بها الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه . شرح خامس ما بني الإسلام عليه : وهو الحج وبالحج كمال الشريعة وتمام الملة ذكر فرائض الحج قال الله تعالى : * ( ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) * [ آل عمران : 97 ] . وفسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة . فإذا وجد العبد زادا وراحلة لزمه فرض الحج ، فإن أخّره بعد وجود ذلك كان مكروها ، فإن مات ولم يحج ، أو مات على عدم الإمكان بعد وجوده ، كان عاصيا لله تعالى من حين أمكنه إلى يوم موته ، ولم يكن كامل الإسلام ، لأن الله تعالى أكمل الإسلام بالحجّ لما أنزل هذه الآية في الحج يوم عرفة * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * [ المائدة : 3 ] .