أبي طالب المكي

177

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أفضل . فإنّ في هذين خاصية من الفضائل ليست في غيرهما ، فأما شهر رمضان فإن الله تعالى خصّه بتنزيل القرآن وجعل فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وجعله مكانا لأداء فرضه الذي افترضه على عباده من الصيام وشرّفه بما أظهر فيه من عمارة بيوته بالقيام . وقد كان مجاهد يقول : لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان . وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسندا وأما ذو الحجة فإنّا لا نعلم شهرا جمع خمس فضائل غيره ، هو شهر حرام وشهر حج وفيه يوم الحج الأكبر وفيه الأيام المعلومات ، وهي العشرة ، والأيام المعدودات : وهي أيام الشريق التي أمر الله تعالى بذكره فيها . وأفضل أيام في شهر رمضان العشر الأواخر ، وأفضل أيام في شهر الحجة العشر الأول . وقد استحب بعض أهل الورع أنّ يقدم في كل سنة بشهر لئلا يكون مؤخرا عن رأس الحول ، لأنّه إذا أخرج في شهر معلوم ثم أخرج القابل في مثله ، فإن ذلك الشهر يكون الثالث عشر ، وهذا تأخير . فقالوا : إنه إذا أخرج في رجب فليخرج من القابل في جمادى الآخرة ليكون آخر سنته بلا زيادة ، وإذا أخرج في رمضان فليخرج من قابل في شعبان على هذا لئلا يزيد على السنة شيئا ، وهذا أحسن ، وليتق أن يكون مخرجا للفرض في كل شهر ، ثم أن يخرجها طيبة بها نفسه ، مسرورا بها قلبه ، مخلصا لربه ، مبتغيا بها وجهه لغير رياء ولا سمعة ولا تزيّن ولا تصنّع . لا يحبّ أن يطلع عليها غير الله عزّ وجلّ ، ولا يرجو في إعطائها ولا يخاف في منعها سواه . وليكن ناظرا إلى الله تعالى ، عارفا بحسن توفيقه له ، وأن يعتقد فضل من يعطيه من الفقراء عليه ولا ينتقصه بقلبه ولا يزدريه ، وليعلم أنّ الفقير خير منه ، لأنه جعل طهرة وزكاة ورفعة ودرجة في دار المقام والحياة ، وأنه هو قد جعل سخرة للفقير وعمارة لدنياه . كما حدثنا بعض العارفين قال : أريد مني ترك التكسب وكنت ذا صنعة جليلة ، فجال في نفسي من أين المعاش ؟ فهتف بي هاتف : لا أراه تنقطع إلينا وتتهمنا فيك علينا ، أن نخدمك وليّا من أوليائنا ، أو نسخّر لك منافقا من أعدائنا ، وأن يسّر ذلك إلى الفقير سرّا ولا يذكر ذلك . فقد جاء في تفسير قوله تعالى : * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * [ البقرة : 264 ] . قال : المنّ أن تذكرها ، والأذى أن تظهرها . وحدثت عن بشر بن الحارث قال : قال سفيان : من من فسدت صدقته . قيل : كيف المنّ يا أبا نصر ؟ قال : أن تذكره أو تحدث به . وبعضهم يقول : المنّ هو أن تستخدمه بالعطاء ، والأذى أن تعيّره بالفقر وقيل : المنّ أن يتكبر عليه لأجل أن يعطيه ، والأذى أن تنهره أو توبخه بالمسألة . وفي الحديث : أفضل الصدقة جهد المقلّ إلى فقير في سرّ . وقال بعض العلماء : ثلاثة من كنوز البرّ منها : إخفاء الصدقة . وقد روينا مسندا من طريق ، وذلك أسلم