أبي طالب المكي
178
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
لدينه وأقلّ لآفاته وأزكى لعمله . وقد روينا في الخبر : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منّان . فجمع بين المنّة والسمعة ، كما جمع بين السمعة والرياء وردّ بهن الأعمال ، فالمسمع الذي يتحدث بما صنعه من الأعمال ليسمعه من لم يكن رآه ، فيقوم ذلك مقام الرؤية ، فسوّى بينهما في إبطال العمل لأنهما عن ضعف اليقين ، إذ لم يكتف المسمع بعلم مولاه ، كما لم يقنع المرائي بنظره فأشرك فيه سواء وألحق المنّان بهما لأن في المنة معناهما من أنه ذكره فقد سمع غيره به ، أو رأى نفسه في العطاء ففخر به وأدّاه سرّا ، فإن أظهره نقل من السرّ وكتب في العلانية ، فإن تحدث به محي من السرّ والعلانية فكتب رياء . فلو لم يكن في إظهار الصدقة مع الإخلاص بها إلَّا فوت ثواب السرّ لكان فيه نقص عظيم . فقد جاء في الأثر : تفضّل صدقة السرّ على صدقة العلانية سبعين ضعفا . وفي الحديث المشهور : سبعة في ظل عرش الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظلّ إلَّا ظلَّه : أحدهم رجل تصدّق بصدقة فلم تعلم شماله ما أعطت يمينه . وفي لفظ آخر : فأخفى عن شماله ما تصدّقت به يمينه ، وهذا من المبالغة في الوصف وفيه مجاوزة الحدّ في الإخفاء ، أي يخفي من نفسه فكيف غيره ؟ وقد تستعمل العرب المبالغة في الشيء على ضرب المثل والتعجب وإن كان فيه مجاوزة للحدّ . من ذلك أنّ الله عزّ وجلّ ذمّ قوما ووصفهم بالبخل وبالغ في وصفهم فقال تعالى : * ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ من الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) * [ النساء : 53 ] . والنقير لا يريده أحد ولا يطلبه ولا يعطاه ، لأنه هو النقطة التي تكون على ظهر النواة ، منه منبت النخلة وفيه معنى أشدّ من هذا وأغمض أنه لما قال : فأخفى عن شماله . كان لهذا القول حقيقة في الخفاء فهو أن لا يحدّث نفسه بذلك ولا يخطر على قلبه ، وليس يكون هذا إلَّا أن لا يرى نفسه في العطاء أصلا ولا يجري وهم ذلك على قلبه ، كما يقول في سرّ الملكوت : إنّ الله تعالى لا يطلع عليه إلَّا من لا يحدّث نفسه به ، بمعنى أنه لا يخطر على قلبه ، ولا يذكره ، ولا يشهد نفسه فيه شغلا عنه بما اقتطع به ، وبأنه لا يباليه ، فعندها صلح أن يظهر على السرّ . فإن لم يمكنك على الحقيقة أن تخفي صدقتك عن نفسك فأخف نفسك فيها ، حتى لا يعلم المعطى أنك أنت المعطي ، وهذا مقام في الإخلاص . فإن أظهرت يدك في الإعطاء فأخفها سرّا إلى المعطي ، هذا حال الصادق . فقد كان بعض المخلصين يلقي الدرهم بين يدي الفقير ، أو في طريقه ، أو موضع جلوسه ، بحيث يراه وهو لا يعلم من صاحبه . وبعضهم كان يصرّ ذلك في ثوبه وهو نائم فلا يعلم من جعله . وقد رأيت من يفعل ذلك . فأما من كان يوصل إلى الفقير على يد غيره ويستكمه شأنه فلا يحصى ذلك من المسلمين .