أبي طالب المكي
168
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الصلوات في جماعة لا يفوته منها تكبيرة الإحرام كتب له براءتان ، براءة من النفاق ، وبراءة من النار . وقال سعيد بن المسيب : منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام في جماعة ، وكان يسمى حمامة المسجد . وقال عبد الرزاق : من عشرين سنة ما سمعت الأذان إلا في المسجد . ويقال : إنه إذا كان يوم القيامة أمر بطبقات المصلين إلى الجنة زمرا . قال : فتأتي أول زمرة كان وجههم الكوكب الدري فتستقبلهم الملائكة فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلَّون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون : كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة لا يشغلنا غيرها . فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك . ثم تأتي الزمرة الثانية فوق أولئك في أحسن والجمال كأنّ وجوههم الأقمار فتقول الملائكة : من أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلَّون ، فيقولون : وما كانت صلاتكم ؟ فيقولون : كنا نتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها ، فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك . ثم تأتي الزمرة الثالثة فوق هؤلاء في المنزلة والجمال كأنّ وجوههم الشمس الضاحية ، فتقول الملائكة : أنتم أحسن وجوها وأعلى مقاما فما أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلَّون ، فيقولون : وما كانت صلاتكم ؟ فيقولون : كنا نسمع الأذان في المسجد ، فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك . وقال بعض العلماء رضي الله عنهم : سميت الصلاة صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله عزّ وجلّ ومواصلة من الله تعالى لعبده ، ولا تكون المواصلة والمنال إلا لتقيّ . قال الله تعالى : * ( لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) * [ الحج : 37 ] . ولا يكون التقيّ إلا خاشعا فعندها لا يعظم عليه طول الوقوف ولا يكثر عليه الانتهاء عن المنكر والائتمار بالمعروف . كما قال سبحانه وتعالى : * ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ) * [ العنكبوت : 45 ] . والخاشعون من المؤمنين هم الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، الحافظون لحدود الله جزاؤهم البشرى . كما قال : * ( وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) * [ الأحزاب : 47 ] والخاشعون أيضا الخائفون ، الذاكرون ، الصابرون ، والمقيمون الصلاة . فإذا كملت هذه الأوصاف فيهم كانوا مخبتين . وقد قال سبحانه : * ( وبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) * [ الحج : 34 ] . وكان ابن مسعود إذا نظر إلى الربيع بن خيثم يقول : وبشر المخبتين أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك . وفي لفظ آخر لأحبك . يقال : إنه كان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة لا تحسب جارية ابن مسعود إلا إنه أعمى لشدة غضّ بصره وطول إطراقه إلى الأرض بنظره ، وكان إذا دق الباب عليه تخرج إليه إنه أعمى لشدة غضّ بصره وطول طاقه إلى الأرض بنظره ، وكان إذا دق الباب عليه تخرج إليه الجارية فإذا رأته قالت لعبد الله صديقك ذاك الأعمى قد جاءك فكان ابن مسعود يضحك ويقول : ويحك ذاك