أبي طالب المكي

169

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

الربيع . ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النيران تلتهب ، صعق وسقط مغشيا عليه ، وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق فحمله ابن مسعود على ظهره إلى منزله ، فلم يزل مغشيا عليه إلى الساعة التي صعق فيها حتى فاتته خمس صلوات ، وابن مسعود عند رأسه يقول : هذا والله الخوف . وكان هذا يقول : ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي . وقد كان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلَّين ، كان إذا صلَّى ضربت ابنته بالدف ، وتحدث النساء بما يردن في البين . ولم يكن يعقل ذلك ولا يسمعه وقيل له ذات يوم : هل تحدث نفسك في الصلاة بشيء ؟ قال : نعم بوقوفي بين يدي الله عزّ وجلّ ومنصرفي إلى إحدى الدارين . قيل : فهل تجد شيئا مما نجده من أمور الدنيا ؟ فقال : لأن تختلف الأسنة في أحبّ إليّ من أن أجد شيئا في الصلاة مما تجدون . وكان يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . وقد كان مسلم بن يسار من الزاهدين العاملين ، كان إذا دخل في الصلاة يقول لأهله : تحدثوا بما تريدون وأفشوا سركم فإني لا أستمع إليكم . وكان يقول : وما يدريكم أين قلبي . وكان يصلَّي ذات يوم في مسجد البصرة ، فوقعت خلفه أسطوانة معقود بناؤها على أربع طاقات ، فتسامع بها أهل السوق فدخلوا المسجد وهو يصلي كأنه وتد ، وما انفتل من صلاته ، فلما فرغ جاءه الناس يهنونه فقال : أي شيء تهنوني ؟ قالوا : وقعت هذه الأسطوانة العظيمة وراءك فسلمت منها ، قال : متى وقعت ؟ قيل : وأنت تصلَّي ، قال : ما شعرت بها . وقال بعض المصلَّين : الصلاة من الآخرة . فإذا دخلت في الصلاة خرجت من الدنيا . وسئل بعضهم : هل تذكر في صلاتك شيئا ؟ قال : وهل شيء أحبّ إليّ من الصلاة فأذكره فيها ؟ وكان أبو الدرداء يقول : من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ . وفي الخبر : أنّ عمار بن ياسر صلَّى صلاة فخففها فقيل له : خففت يا أبا اليقظان . فقال : هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا ؟ قالوا : لا قال : لأني بادرت سهو الشيطان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنّ العبد ليصلَّي الصلاة لا يكتب له ثلثها ولا نصفها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها . وكان يقول : إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها . وقد ذكر هذا عبد الواحد بن زيد أنه إجماع . فروينا عنه أنه قال : أجمعت العلماء أنه ليس للعبد من صلاته إلَّا ما عقل . وقال الحسن : كل صلاة لا يحضرها قلبك فهي إلى العقوبة أسرع منها إلى الثواب . ويقال : إنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم الزبير وطلحة ، كانوا أخفّ الناس صلاة ، فسئلوا عن ذلك فقالوا : نبادر بها وسوسة العدوّ . وروينا أنّ عمر رضي الله