أبي طالب المكي
135
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
أحبه لأجل أفعاله إلا أن يشهدها منه فيراه فيها ، فهو يتبصر له ويتعمل في المجاهدة ويجتهد في تنقية محابّه لبقاء حاله ، فهذا أعلاهما وهذه محبة عموم أهل الآخرة الذين لا يشهدون سواها ، ولا يطلبون إلا إياها . ومنهم من تتغير عليه الأفعال وتخرجه من الاعتياد ، ويتابع عليه البلاء وينقصه من العوافي في المال والنفس ، فيخرج صفته ويظهر من تسخطه وتبرمه به . فهذا قد افتضح بدعوى المحبة وقد كشفه بعد ستره ، فلم يزن في المحبين حبة . وهذه محبة أهل الدنيا الذين هم لها يكدحون وإياها يطلبون وقد سئل الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة فقال : الناس في محبة الله خاص وعام : فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه ، فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان . فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظيم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك ، فلما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسني ، لم يمتنعوا أن أحبوه إذا استحق عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها ، ولو زال عنه جميع النعم . ومن الناس من يكون محبا لهواه أو لعدوّ الله إبليس ، وهو يدعي لعظيم جهله وطول غرته المحبة لله تعالى . قال بعض علمائنا : عوتب أبو محمد في قوله : لكل أحد يا دوست قال : وقلت له : قد لا يكون حبيبا كما تقول فقال في أذني سرّا لا يخلو : إما أن يكون مؤمنا أو منافقا ، فإن كان مؤمنا فهو حبيب الله عزّ وجلّ ، وإن كان منافقا فهو حبيب إبليس . ومن محبة الهوى إيثار عاجل حظ النفس على آجل ما وعدت به ويقدم محبتها على محبة الله عزّ وجلّ ، وهي مطبوعة على محبة الهوى . وكراهة الحق أمارة بالسوء فيما تسرّ كذابة فيما تظهر من الخير . قال الله سبحانه تعالى : * ( وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) * [ البقرة : 216 ] ، فقرن محبتها بالشر وقرن كراهتها بالخير ، والعرب تسمي النفس كذبة أي التي يكثر منها الكذب . يصفونها بالمبالغة فيه على معنى قوله : ويل لكل همزة لمزة ، أي الذي يكثر همز الناس ولمزهم . وكذلك وصفها الله تعالى بالمبالغة بالأمر بالسوء فقال : أمارة بالسوء أي فعالة ، التي يكثر منها الأمر يتكرر مرة بعد مرة . من وصفها الفعل ومن محبة العدو طاعته وموافقته لأن فيها كراهة الله تعالى ومخالفته وهو مجبول على ضد ما يحب الله تعالى . والله تعالى يحب ضد ما جعله عليه وذلك ابتلاء من الله تعالى له ، وابتلاء منه به لنا . واعلم أنّ قليل ما أعطاك الله عزّ وجلّ من الإيمان به وصحة التوحيد له ، ويسير ما قسم الله تعالى لك من الإخلاص والصدق وحسن المعاملة ، خير لك وأنفع من كثير ما أظهر لك وعرفك . وإنما لك مما رأيته ما طلبته ونلته بيدك . وما ملكته وسلطت عليه من منازلتك . فأما ما لم تطلبه ولم تنله فهو لغيرك ، لأنك قد قد ترى السماء ولا تنالها ، فهي أرض لمن سخرت له . وترى ما جعل لغيرك فلا ينفعك