أبي طالب المكي
136
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ولا يغني عنك ، وهو نافع مغن لمن سلط عليه فلكه . ومن الناس من يتوهم أنّ الإظهار هبة له ، وأنّ ما رآه وعرفه ملكه وحازه وتحقق به . واعلم أنّ ألف خاطر لا يجيء منها حال ، وألف حال يكون منها مقام ، والمقام إنما هو ما ثبت ودام فمثل الخواطر في ممرها كالسحاب في سيرها ، وقيل في المثل : « سحابة صيف عن قليل تقشع » ، ومثل الأحوال في حيلولتها كمثل الأزمنة في أحوالها ، في كل سنة أربعة مشتى ومصيف ومربع وخريف . وإنما الهبة من الله تعالى ما وقر في القلوب من المشاهدات ، وما حققته الأعمال من المنازلات ، فيورث ذلك علما خاصيا أو خلقا مرضا أو حالا سنيا أو وصفا زكيا من أخلاق الصالحين ، وسيما المتقين وعلوم العارفين وملاحظات المقربين ، ولا يصلح الكلام بهذا العلم إلَّا لمن له مشاهدته منه . إن كان من علوم القدرة والتوحيد أو منازلة لمن كان له من مواريث الأعمال ، وعن تنقيل الأحوال وعن زهد في الدنيا ، وسعي في طلب الأخرى ، إن كان من علم الوعظ والندب إلى الفضل ، فذل كله بعد التوبة ومع حالك الاستقامة ، وعن كمال علم السنة والجماعة ، بعد معرفة بعلم الأصول والسنن من آثار الرسول . وإلا كان متكلَّفا . وفي الدعوى داخلا إلا أن يحكي شيئا سمعه فيكون به لقائله محاكيا ، ويضف حاله إلى صاحبه فيكون عنه راويا . فأما التحلي وهو اللبس الظاهر والتصنع المفتعل بالإشارة الفارعة ، فهو من حلية الدنيا وزينة الهوى . وكذلك التمني ، وهو ما يظنه العقل أو توهمته النفس وقدره الوهم ، أو من وسوسة العدو الخناس لعنه الله تعالى ، فليس هذا كله من الإيمان ولا من علم اليقين في شيء ، بل هو من همزات الشياطين وخطراتهم وقرب محضرهم ، لأن هذا داء القلوب من أدواء الذنوب ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تطبب ولم يعلم الطب فقتل ، هو ضامن ، فالمتكلم للناس بقتلهم يكون قاتلا ، والإظهار الذي يقع به الاغترار أكثر من أن يحصى ، والظهور الذي يحق به الحقيقة أعز من أن يرى . والله تعالى يظهر من خزائن ملكه ما شاء على الألسنة والجوارح فهي من خزائن الأرض ، فيها من التدبير والحكمة كما في ملك الأرض ، وعلوم هذه الخزائن هي العلوم الظاهرة وهي حجج الله تعالى في أرضه على عباده ، ويظهر من خزائن ملكوته ما يحب ، وهي القلوب والبصائر والكنوز والذخائر ، فهذه كخزائن الملكوت وهي من خزائن السماء وفيها من القدر والآيات كما في السماوات وعلوم هذه الخزائن من علم اليقين . وهو العلم الباطن النافع يخص به من يحب ، وهم أولياؤه المقربون إن الحكم إلا لله ، ولا يشرك في حكمه أحدا يختص برحمته من يشاء ، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم . وهذا آخر شرح مقام المحبة وهو آخر شرح مقامات اليقين التسعة .